تبين المصادر العربية أن القرن الأخير من حكم الأمويين في قرطبة كان فترة خصبة في النشاط التجاري. ففي خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، يشير الجغرافي ابن حوقل إلى وجود تجار أندلسيين في طَبَرقة وإلى جالية من التجار الإسبان في طرابلس. وفي عام 361 هـ/ 972م  نجد المؤرخ الرازي يشير إلى تاجر مسلم آخر اسمه محمد بن سليمان يتبع طرقاً مشابهة بين الأندلس وإفريقيا. وفي الوقت نفسه تقريباً كان التجار الأندلسيون يتاجرون مع شرق المتوسط؛ ويذكر أن سفينة تجارية كبيرة قد أبحرت إلى مصر عام 344هـ/ 955 م وعادت إلى إسبانيا من الإسكندرية محمّلة بالبضائع.

ويذكر مصنِّفو كتب السيرة، مثل ابن الفرضي والضبيّ وابن بشكوال وابن الأبّار، عدداً من التجار ـ العلماء من أهل قرطبة، كانوا يتاجرون مع المشرق في أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي والقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وقد عاش اثنان من هؤلاء التجار خلال القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، كما نشط الباقون من أواسط إلى أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وقد توفي اثنان من هؤلاء عام 378هـ/977م بعد رحلات كثيرة في سوريا ومصر والعراق، وبقي بعض معاصريهم الأقربين (توفي اثنان منهم عند استدارة القرن العاشر الميلادي) يتاجرون في أرجاء مصر والشرق الأدنى.

ولا تذكر كتب السيرة سوى إشارات قليلة إلى تجار مشارقة وصلوا إلى إسبانيا الإسلامية في هذه الفترة. ويذكر ابن الأبّار واحداً من هؤلاء اسمه محمد بن موسى (ت عام 273 هـ/ 886 م) كان يعمل في الأندلس. ويذكر ابن الفرضي بعد ذلك في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي تاجراً من أهل سبتة قام برحلات كثيرة في المشرق والمغرب، ثم أقام زمناً على حدود الأندلس تاجراً ومحارباً. كما يذكر ابن بشكوال تاجراً ـ عالماً من أهل بغداد وصل إلى الأندلس عام 356 هـ/ 966 م واثنين آخرين أحدهما من مصر والآخر من القيروان، وذلك في بداية القرن اللاحق.

وكان تجار آخرون يصلون من المشرق للمتاجرة في أسواق إسبانيا الإسلامية، حتى خلال فترات التوتر السياسي بين الأمويين والحكام المسلمين. ففي عهد الخليفة عبد الرحمن الثالث (300 ـ 350هـ/ 912 ـ 961 م) كان الموظف اليهودي حسداي بن شبرط، يشيد بخيرات الأندلس ويذكر عدداً من التجار الذين كانوا يتوافدون على شبه الجزيرة من أجل التجارة. ومن بين هؤلاء يخص المصريين بالذكر (الذين كانوا يجلبون العطور والحجارة الكريمة وغيرها من النفائس) كما يذكر الرسل ـ التجار من خراسان”. وفي حدود ذلك الوقت كان الإسماعيليون يفدون إلى الأندلس لنشر الدعوة الشيعية، ولو أنهم، بحسب رأي الفقيه القرطبي، من أهل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ابن سهل (ت 486 هـ/ 1093 م) كانوا “يخفون غرضهم الحقيقي تحت ستار من أعمال مشروعة مثل التجارة أو طلب العلم أو تجوال المتصوفة…” وفي أواخر العهد الأموي، أيام الحاجب المظفر (392 ـ 398 هـ/ 1002 ـ 1007 م) يشير ابن حيّان إلى ظهور تجار أجانب في إسبانيا من أهل مصر والعراق وغيرهما من البلاد.

وفي خلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي لا يُستغرب وجود رجال أعمال من إسبانيا الإسلامية يتاجرون مع الموانئ المغربية، أو مع بلاد أكثر بعداً. ويذكر البكري الجغرافي وجود تجار أندلسيين في المهدية، ويقدم تفصيلات عن رحلاتهم وعبورهم المضيق بين شمال إفريقيا والأندلس. ويوجد سوى ذلك الكثير من الإشارات العامة إلى تجارة الأندلس مع المغرب، سواء الوثائق القانونية أو في الأوصاف الجغرافية لتلك الفترة. ونقرأ أحياناً بشكل عابر عن تجار مترحلين يكون في غيابهم سبباً يدفع أفراد أسرتهم أو معارفهم لمراجعة المحاكم في شأنهم. ويذكر ابن سهل عدة حالات من هذا النوع. ففي حالة منها تعود إلى العام 458 هـ/ 1066 م نجد تاجراً يبحث عن شريك له مفقود في فاس.. كما نجد فتوى لاحقة يذكرها الونشريسي بخصوص جارية من غرناطة طالت غيبة سيدها التاجر في تونس.

الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، بتصرف،

مجموعة من المؤلفين،

مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1999.