كان أهم قطاع في دول الطوائف هو القطاع الزراعي. وكان النشاط الزراعي قوياً في الأندلس، غير أن الإنتاج الزراعي كان يختلف كماً وكيفاً من دولة طائفية إلى أخرى، تبعاً لاختلاف الظروف الجغرافية ودرجة الاستغلال ونمطه.

والأوصاف التي يمدنا بها الجغرافيون والرحالة والأدباء تعكس المستوى الرفيع للإنتاج في الأندلس. وهذه الأوصاف المفصلة والدقيقة تشكل في غالب الأحيان المصدر الأساسي لمعلومانتا، فبفضلها نستطيع أن نخرج بتصور لحالة النشاط الزراعي وطبيعتها وأهميتها على مر تاريخ الأندلس. وإذا استطاع ليفي بروفنسال وصف النشاط الزراعي في حقبة بني أمية، وإذا وجدت “راشيل أريي” مادة كافية لكي تذكر وفرة أشجار الزيتون والكروم في الفترة النصرية، فإن المؤرخ المهتم بدول الطوائف يجد هو الآخر مادة وفيرة عن ذلك النشاط.

إن غزارة الإنتاج الزراعي طيلة القرن الخامس الهجري كان مردُّها جزئياً نظام الري المتطور والذي يوفر استعمال العديد من مجاري المياه مثل الوادي الكبير، وقد كان هذا النظام موضوعاً لعدة دراسات، غير أن دور اليد العاملة الماهرة التي كانت تقوم على تشغيله لم تدرس بشكل كاف. لقد كانت الروح السائدة لدى الفلاحين والملاك العقاريين الأندلسيين تلعب دوراً مهماً في دوام الإنتاج الزراعي وتزايده. وهناك عدة أمثلة تشهد على تلك الروح الدينامية للأندلسيين: فقد كتب الأمير عبد الله بن بلقين حاكم غرناطة أنه طيلة فترة حكم المنصور بن أبي عامر كان الفلاحون يرفضون الانضمام إلى الجيش بحجة عدم إمكانهم مغادرة أراضيهم، وكانوا يتنازلون له عن حصة من محصولهم السنوي في المقابل، وفي نفس المصدر نجد باديس، جد عبد اللله بن بلقين، يزيد مدخول حصن وادي آش، ثاني حصن في غرناطة من حيث الأهمية، وذلك بإبدال متصرفه علي بن القروي بالوزير اليهودي يوسف بن نغرالة.

وفي القرن الخامس للهجرة وضعت هذه الروح موضع التشكك؛ فقد اضطرب النشاط الزراعي في الأندلس قبل ذلك إثر هجمات الحملات العسكرية التي كان يقوم بها ملوك النصارى مثل الفونسو السادس وملوك الطوائف أنفسهم، وهو ما أدى إلى خسائر جسيمة.

ومن المدهش حقاً أن نلاحظ أنه رغم تخريب الأراضي المزروعة فإن الأندلسيين لم يفقدوا أبداً الروح الدينامية التي كانوا يعملون بها في الإنتاج الزراعي. ومن المؤكد أن هذه الروح التي ظلت سائدة طيلة تاريخ الأندلس إلى فترة النصريين في غرناطة قد انتقلت بدورها إلى الموريسكيين بعد أن استولى المسيحيون على الأندلس، وقد عبر “دييغو هورتادو دي ميندوثا” (Diego Hurtado de Mendoza)، الذي كان يحارب في صفوف المسيحيين، عن إعجابه بالعمل الزراعي الذي كان الموريسكيون يواظبون عليه في فلاحة أراضيهم.

جوانب من الواقع الأندلسي في القرن الخامس الهجري، بتصرف. امحمد بن عبود،

منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

بتعاون مع جمعية تطاون أسمير،

مطابع الشويخ ، الطبعة الثانية ، تطوان 1999.