لم يكن عصر الطوائف مرحلة ظلام أو فقر أدبي، حيث كانت هناك نماذج شعرية عالية عند الشواعر والشعراء رغم التفكك السياسي والحروب الأهلية لعصر الطوائف. لقد كان هناك وضع متميز للمرأة الأندلسية التي تبوأت مكانة الرفيعة في المجتمع، بحيث  أسهمت في مختلف شؤون الحياة، وبرز منهن حافظات للقرآن الكريم وراويات للحديث الشريف، وشاعرات وأديبات استطعن أن يفرضن وجودهن في المجتمع، وأن يشاركن في المجالس الأدبية وأن ينشئن لهن صالونات أدبية…

إن إسهام المرأة الأندلسية في مجال الأدب في الفترة التي نتحدث عنها كان كبيراً، رغم أن قسما مهماً من شعرهن فقد. وتقع مسؤولية ضياع الشعر النسوي على أولئك المتعصبين من الرواة الذين يرون الشاعرية خاصة بالرجال، وعلامة من علامات الفحولة، وينبغي أن تقتصر عليهم، وما كانوا يستشهدون من الشعر النسوي إلا بالمثير الذي لا يتعدى البيت والبيتين وثلاثة أبيات.

إن شعر النساء يتساوى في قيمته مع الأشعار الأصيلة من حيث صدق الإحساس، وعمق التجربة، وجاء شعرهن متفقا مع الذوق الأدبي العام للعصر. وانعكست الشخصية الأنثوية على الشعر النسوي، وطبعته بطابع السهولة والعذوبة والرقة والصدق والموسيقى الهادئة، دون أن يقلل هذا من قوة شاعريتهن.

أطلقت المرأة الأندلسية لنفسها العنان في مجاراة الرجال والرد عليهم، ومساجلتهم ومناظرتهم، وعرف عصر الطوائف بعصر الشواعر لكثرتهن. وقد اعتنى الآباء بتربية بناتهم على قول الشعر منذ نعومة أظفارهن، فشبت الفتاة على حب الأدب ونظم الشعر كبثينة وقسمونة.

المرأة في الأندلس، الدكتورة سناء الشعيري، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

سلسلة المعرفة الأندلسية 3 / الطبعة الأولى- مطبعة الأمنية، الرباط