أفسحت الحياة المتطورة أمام المرأة الأندلسية مجالا للنشاط المهني، وبرزت بينهن عالمات بصناعة الطب والمداواة، لهن خبرة جيدة بما يتعلق بمداواة النساء، علاوة على مهنة “القابلة” المختصة بالنساء، ومنهن من كانت عطارة أو حارسة بستان أو عاملة في دور الخراج. لقد أثبتت المرأة جدارة في مواجهة قسوة الحياة، فمنهن من باعت اللبن ومنهن من كانت بائعة للجبن وغسالة للملابس، فقد روي أن امرأة كانت مهنتها غسل الملابس.

ونالت المرأة الأندلسية قسطا وفيرا من العلوم والثقافة، واستطاعت أن تمثل صورة الأندلس في ثقافتها العربية الإسلامية، فوجدنا من بينهن من برعت في رواية الحديث. وبلغت المرأة من الرقي والثقافة بحيث أصبحت فقيهة ورعة، فاضلة عالمة مثل فاطمة بنت يحيى بن يوسف التي توفيت سنة 319 هجرية.

وقد حظيت المرأة بصورة عامة بمكانة مرموقة لدى الخلفاء، فقد بدت لهن مواقف مشهودة في بعض ميادين الحياة وجاءت مشاركتهن واضحة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أما من الناحية السياسية فقد ظهرت بوادرها واضحة في تسيير دفة الحكم عند الجارية الرميكية التي تزوجها المعتمد بن عباد بعد أن خلبت عقله وملكت قلبه. فكان العظماء يغشون دارها ويبتغون الوسيلة عندها والزلفى إليها، على الرغم من كون زوجها هو الحاكم، إلا أنها استطاعت أن تعزل هذا وترقي ذاك.

لقد أثبتت المرأة الأندلسية قوة وشجاعة في مواقفها مع الأمراء والخلفاء، وكثيرا ما كانت تمزجها بروح الظُرف والدعابة وحضور بديهة وسرعة خاطر وشجاعة نادرة، تمثل ذلك في تكفات البربرية التي خبأت عبد الرحمن الداخل تحت ثيابها عندما فتشت الرسل عنه، وحين استظلت بظله في الأندلس قال لها مداعبا :”لقد عذبتني بريح إبطيك يا تكفات على ما كان بي من الخوف، وسطعتني بأنتن من ريح الجيف”. فكان جوابها له مسرعة: “بل ذلك كان والله يا سيدي منك، خرج ولم تشعر به من فرط فزعك”. فاستظرف جوابها.

المرأة في الأندلس، سناء الشعيري، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

سلسلة المعرفة الأندلسية 3 / الطبعة الأولى- مطبعة الأمنية، الرباط