ولد أبو الوليد بن رشد بقرطبة سنة 1126م ، وينتمي إلى عائلة عريقة تولت خطة القضاء في قرطبة لعقود طويلة، فقد كان جده قاضياً وإماماً للمسجد الأعظم بقرطبة وفقيهاً له العديد من الفتاوى حول قضايا كانت تشغل ساكنة الأندلس على ذلك العصر. وقد سار الابن كذلك على خطى الأب، أما ابن رشد (الحفيد) فقد أضاف إلى الفقه والذي ألف فيه كتاباً على درجة كبيرة من الأهمية هو «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» ، الاشتغال بصنعتي الطب والفلسفة التي درسها منذ نعومة أظفاره على يد أبرز فلاسفة الأندلس، مثل أبي جعفر هارون الذي كان أول من جعله على بينة من الفلسفة والطب اليوناني، حيث أخذ عنه أولى التفسيرات لفلسفة أرسطو، ولكتب أبقراط وجالينوس في الطب. وقد ألف ابن رشد كتاباً في الطب هو «الكليات»، استند فيه على ما أخذه عن «أرسطو» و»جالينوس» في علم الأعضاء، والعلاج والصحة والألم. وفي مجال الفلسفة، ينبني فكر ابن رشد على محاولة التوفيق بين العقل والنقل، حيث ألف في هذا السياق كتابه الموسوعي «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»، وبين أن هذا التوفيق شيء ضروري، لأن «الحق لا يضاد الحق». ورد على الغزالي صاحب كتاب «تهافت الفلاسفة» بكتاب يحمل عنوان «تهافت التهافت»، انتصر فيه ابن رشد للفلسفة. وكانت شهرة ابن رشد كبيرة، بسبب تعليقاته على كتب أرسطو. وإليه يرجع الفضل في وصول هذه التعليقات إلى أوروبا، بعد أن ضاعت أصولها الاغريقية. ورغم اعجابه الشديد بأرسطو، فقد انتقده في عدد من القضايا، وبين أن الفيلسوف اليوناني ارتكب مجموعة من الأخطاء عند معالجته لبعض القضايا الفلسفية والفلكية. تُرجم ابن رشد إلى اللاتينية، وكان لأعماله دور حاسم في فكر النهضة الأوروبية ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر الميلادي.

عاش ابن رشد في واحد من أزهى عصور الحضارة الاسلامية في الأندلس هو العصر الموحدي. عين قاضياً للقضاة في قرطبة ثم في إشبيلية، غير أن شهرته في مجال الطب تجاوزت حدود الأندلس، حيث استدعي إلى مراكش ليصبح طبيباً للبلاط، وقد قربه منه الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف. وسيقضي ابن رشد في مراكش زهاء عشر سنوات. وعند تولي الخليفة يعقوب المنصور الخلافة، غضب من ابن رشد بعد وشاية من بعض الفقهاء الذين لم ينظروا بارتياح لأفكار ابن رشد الفلسفية. ورغم نفيه لمدة من الزمن، استدعاه الخليفة من جديد إلى مراكش وأكرم مثواه. وهناك مكث إلى وفاته سنة 1198م ، وقد دفن بها، قبل أن تنقل رفاته في وقت لاحق إلى مدينته الأصلية قرطبة.

مشاهد من فيلم المصير الذي يحكي قصة حياة الفيلسوف الأندلسي ابن رشد وعلاقته بالخليفة الموحدي يعقوب المنصور.

مصادر مختلفة، المصدر الرئيسي: «تاريخ الفكر الأندلسي»

تأليف أنخل غونثالث بالينثيا، ترجمة حسين مؤنس

مكتبة الثقافة الدينية، ط، 2. القاهرة، 2008.