هو أبو القاسم عباس بن فرناس، من مواليد مدينة رندة سنة 810 م، ينتمي إلى عائلة بربرية عريقة، ساهمت في فتح الأندلس في بداية القرن الثامن الميلادي. شغف ابن فرناس منذ نعومة أظفاره بعلوم الفيزياء والكيمياء والفلك، ناهيك عن الأدب والشعر اللذين برع فيهما لدرجة لفتت انتباه الأمير الأموي عبدالرحمن الثاني الذي فتح له ابواب بلاطه من أجل تدريس الأمراء، وهي المهمة التي اطلع بها لأكثر من ثلاثين سنة.

وبفضل الدعم الذي لقيه من طرف أمراء بني أمية، تمكن ابن فرناس من التوفيق بين التدريس والبحث العلمي، واخترع العديد من الآلات العلمية، من بينها ساعة مائية فريدة من نوعها، وآلة فلكية لضبط حركة النجوم، استند فيها على الجداول الفلكية الهندية، وكان أول من استعملها في الغرب الاسلامي. وفي سنة 852م، أقدم على أول تجربة عرفتها الانسانية في تاريخ الطيران، وهو استعمال مظلة الطيران، وذلك بمحاولة الوصول إلى الأرض انطلاقاً من برج قرطبة، بعد أن وضع على المنطقة التي كان يود النزول بها، أقمشة كثيرة، لتخفيف الاصطدام. ورغم أن التجربة لم تحقق النجاح الكامل، بحيث أصيب ابن فرناس ببعض الجروح الطفيفة، فإنها شجعته لخوض تجربة أخرى، بعد خمس سنوات من التجربة الأولى، قضاها في البحث والاختراع. وهكذا توصل عام 857م، وهو في الخامسة والستين من العمر إلى صناعة أجنحة خشبية مغطاة بقماش حريري، ومكسوة بريش الجوارح. جرب ابن الفرناس هذه المرة الطيران من برج مرتفع، وقد استمر في الطيران عدة ثوان، لذا تعد تجربته ناجحة، رغم سقوطه بعد ذلك وانكسار كلتا رجليه. وقد فهم ابن فرناس إثر ذلك الخطأ الذي وقع فيه، والمتمثل في عدم استعمال ذيل لتوجيه آلة طيرانه. غير أن سنه المتقدم، وعدم التئام الكسر الذي أصاب رجليه، منعه دون تكرار التجربة مرة ثالثة. وقد توفي بقرطبة سنة 887م، مخلفا في الأذهان ذكرى أول رجل حاول الطيران.

مصادر مختلفة، المصدر الرئيسي: “تاريخ الفكر الأندلسي”

تأليف أنخل غونثالث بالينثيا، ترجمة حسين مؤنس

مكتبة الثقافة الدينية، ط، 2. القاهرة، 2008.