يعتبر محمد بن مسرة القرطبي ( 269 هـ/ 883م ـ 318 هـ/ 931م ) أول مفكر أصيل أنجبته الأندلس، وكان يستر آراءه وراء نسكه وزهادته ، وكان أبوه عبد الله من أهل البيع والشراء، وكان يهوى آراء المعتزلة ، وكان صديقاً لخليل الغفلة ، وهو الذي علم ابنه محمداً علوم الدين والفلسفة . وقد توفي أبوه قبل سنة 299 هـ / 912 م وكان سنه إذا ذاك سبعة عشر عاما ، وكان له في هذه السن المبكرة عدد من التلاميذ ، وكان يعيش مع أقربهم منه في معتزل له كان يملكه بجبل قرطبة. ولم تلبث الأراجيف أن انتشرت حول طبيعة تعاليمه ، فقيل : إنه كان يلقن تلاميذه بدعة الإعتزال، كما قيل إنه ينشر آراء أنباذقليس، التي تنحو نحو وحدة الوجود وتكاد أن تكون فلسفة إلحادية .

وكانت الظروف السياسية والاجتماعية العامة في الأندلس في ذلك الحين عسيرة حرجة ، فقد كان ذلك  عهد الأمير عبد الله الأموي الذي لم يكن يعترف بسلطته أحد من العرب أو البربر، وخرج عن طاعته عدد من حكام الولايات.

وقد رأى الأمير أن يسكت عن ابن مسرة وأتباعه خوفاً مما قد يؤدي إليه تعقبه وأنصاره من فتنة جديدة ، كانت الحكمة تقضي بتلافيها في وقت اجتاحت فيه الفتن الأندلس كله. وخاف ابن مسرة على نفسه ، فزعم أنه خارج للحج وهرب من قرطبة ، على إثر ما فعله الفقيه أحمد بن خالد المعروف بالحباب، وكان فقيها مشاورا وعارفا بعلوم الدين مشتهرا بالزهد والصلاح ، وكانت مكانته العلمية في قرطبة لا تقل عن مكانة ابن مسرة ، وشهرته بالتزام السنة أعظم . وخرج مع ابن مسرة اثنان من تلاميذه : محمد بن حزم بن بكر التنوخي المعروف بابن المديني ، وابن صقيل ( محمد بن وهب القرطبي ) . وألم ابن مسرة بالقيروان ، ثم نزل مكة وسمع أبا سعيد بن العربي ، وكان أبو سعيد يظهر أنه يروي الحديث على مذهب أهل السنة ؛ ولكنه كان يتكلم في الباطنية ويعلم دقائق أسرار الصوفية وآرائهم الإشراقية ؛ وقد كتب رسالة في الرد على ابن مسرة .

عاد ابن مسرة إلى قرطبة ، ولزم معتزله في جبل قرطبة ؛ حيث اتخذ لنفسه دويرة بناها على هيئة الدويرة التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمارية القبطية أم ولده إبراهيم . وأخذ يقرأ دروسه  ويعرض للمسائل العويصة بطريقة بارعة وتعبير بليغ ، فيبدو لمن لم يتعمق في ذلك العلم وكأنه يتكلم برأي أهل السنة ، في حين أنه كان يفتح بكلامه مغاليق الأسرار لطلبته، وينتهي بأن يعلمهم كتبه التي ألفها ؛ ومن بين أولئك التلاميذ واحد امتاز بحدة الذكاء والنشاط ، هو حي بن عبد الملك،  وكان قريب الجوار منه، يسكن منه الأيام الكثيرة في متعبده بالجبل، وينصرف ثم يعود .

ولما وضع ابن مسرة كتاب ” التبصرة ” ـ ولم يكن يخرج كتابا حتى يتعقبه حولا كاملا ـ احتال حي فيه حتى أخرج إليه دون إذنه ورأيه ، وانتسخه ثم صرف الأصل، وأتى بالنسخة إلى ابن مسرة فأراه إياها وقال: ” تعرف هذا الكتاب ؟ ” فلما تصفحه قال : ” لا نفعك الله به !! ” . ولم يخرج كتاب التبصرة بعد ذلك إلى أحد ” . وكان من تلاميذه كذلك خليل بن عبد الملك القرطبي المتعبد ـ وكان من أهل التقى والورع البالغين ـ ومحمد بن سليمان العكي المعروف بابن الموروري ، وأحمد بن فرج بن منتيل بن قيس ، وغيرهم كثيرون .

عاشت هذه الجماعة الصغيرة حياة مقفلة لا يعرف من تفاصيلها شيء على وجه التحقيق، فزعم بعض الناس أن أفرادها يعيشون وفق ” طريقة ” صوفية قررها لهم ابن مسرة . وقد كانوا يتظاهرون أمام الفقهاء بمظهر يخالف ما كان عندهم من النحو في آرائهم  نحو المذاهب العقلية ؛ ولكن الذي لا شك فيه أنه كانت لهذه الجماعة ” طريقتها ” ، وأنها كانت تشبه الطرق الصوفية التي سار عليها ذو النون المصري والنهرجوري .

ولما كان شيخ هذه الجماعة وأفرادها يتحرون التزام قواعد طريقهم التزاماً دقيقاً ، فقد انتهى الناس إلى الإنقسام في أمرهم فرقتين : ” فرقة تبلغ به (ابن مسرة ) مبلغ الإمامة في العلم والزهد ، وفرقة تطعن عليه بالبدع لما ظهر من كلامه في الوعد والوعيد ، وبخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم ؛ وذهب الفقهاء إلى أن ابن مسرة وتلاميذه زنادقة .

وعندما عرفت كتبه واطلع عليها الناس ثارت مشاعرهم ضدها، وسرعان ما انتقلت إلى غير قرطبة من المواضع ، ووصلت إلى المشرق فأنكرها نفر من علماء الجماعة المتمسكين بالمأثور ؛ ولكن يبدو أن العلماء لم يقولوا بأن ما فيها منحرف عن النهج الصحيح . ومات ابن مسرة في قرطبة سنة 319هـ / 931م، وشيع إلى قبره باحترام من خصومه وإجلال من أتباعه .

نقلاً عن “تاريخ الفكر الأندلسي” (بتصرف).

آنخل غونثالث بالينثيا، تعريب حسين مؤنس،

مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة 2008.