هو أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ الملقب بابن باجة ( المتوفى سنة 522هـ أو 523 هـ / 1128 م أو 1138م )، من أهل سرقسطة. وقد عرف عند الفلاسفة الإسكولاسئيين باسم ( أفيمباس أو أفيمباشه أو أفيمباثه ) وهو تحريف لابن باجة . وقد عاش في أيام أحمد بن يوسف بن هود الملقب بالمستعين المتوفى سنة 503 هـ/ 1110م آخر أمراء بني هود . ولا يبعد أن يكون ابن باجة قد مارس الصياغة التي كانت صناعة أسرته ، ولم تحدثنا المراجع بشيء عن تعليمه أو دراسته .

وكل ما نعرفه أنه عندما دخل المرابطون سرقسطة استطاع ابن باجة أن ينال ثقتهم ، واتخذه عاملهم على سرقسطة ـ أبو بكر إبراهيم بن تيفاويت ـ كاتبا له ، واشتهر أمره في ذلك الحين بالتضلع في الفلسفة والموسيقى وقول الشعر.

وعندما توفي ابن تيفاويت في سنة 509هـ / 1116م ـ أي قبل وقوع البلد في يد ألفونسو المقاتل في سنة 511 هـ/ 1118 م، غادر ابن باجة سرقسطة إلى جنوبي الأندلس، وسكن المرية ثم غرناطة ؛ حيث كانت له ندوات أدبية تحدثنا عنها الكتب، ثم رحل إلى فاس وربما إلى جيان ، مبتعداً عن السياسة جملة ، منصرفاً إلى التدريس والتأليف .

وقد وقع بينه وبين أبي العلا بن زهر الطبيب وابن خاقان الأديب ما أوجب النفور والتخاصم … وكان من خصوم ابن باجة أيضا ابن السيد البطليوسي تلميذ ابن خاقان . وقد حقد الأطباء وكتاب الدولة على ابن باجة وحسدوه ، وآل أمره إلى أن مات مسموماً في فاس بين سنتي 1128 م/ 1138 م.

كان ابن باجة ـ كغيره من مفكري العصور الوسطى ـ ملماً بجميع علوم اليونان . وهو أقدم مؤلف أندلسي نعرف عن يقين أنه درس فلسفة المشائين، ورجع إلى كتب الفارابي وابن سينا والغزالي . وأهم ما اشتغل به ابن باجة شرح مؤلفات أرسطو، ومن ذلك شرحه لكتاب “السماع الطبيعي” الذي يسمى أيضا “بسمع الكيان”، وشرحه لجزء من كتاب “الكون والفساد” و “تاريخ الحيوان” و “النبات” . وإلى جانب ذلك وضع شرحاً لمنطق الفارابي ، وشرح “كتاب الأدوية المفردة”، وشرح كتابا في نفس الموضوع لابن وافد الأندلسي وهو كتاب انتفع به ابن البيطار انتفاعاً عظيما .

ولم يكتف ابن باجة بالشرح والتعليق والاختصار، بل ألف كتباً أودعها علمه الخاص، يذكر المؤرخون منها : “مقال في البرهان “، ومقالا آخر في “الاسم المسمى”، وكتاب “كلام في الإسطقسات” ( يبدو أنه في الهندسة ) ، ومؤلفات في “الرياضة والفلك” ، وكتاباً في “النفس” ، وكتاباً في “التشوق الطبيعي وماهيته” ، وكتاباً في “القوة النزوعية” ، و “رسالة الوداع”، وكتابا عن “اتصال الإنسان بالعقل الفعال” ، وكتاب “تدبير المتوحد” وغيرها كثير .

ولم يبقى لنا من هذا الإنتاج الغزير إلا شرح ابن باجة لمنطق الفرابي (مخطوط بالإسكوريال) ، وهي رسالة في ذلك الفن تتجلى فيها شخصيته، ومجوعة أخرى من الرسائل في الفلسفة والطب والعلوم الطبيعية ( مخطوطة في مكتبتي أوكسفورد وبرلين ) عني بنشرها آسين بلاثيوس بادئا بمقالته في “النبات”. وترمي “رسالة الوداع” إلى إعادة العلم إلى المكان الذي يليق به، وبيان فضل العلم والمعرفة وفضل التأمل الفلسفي وكيف يؤديان وحدهما بالإنسان إلى معرفة الطبيعة، وكيف يعينانه ـ بفضل من الله ـ على التعرف عن نفسه، ويؤديان به إلى الإتصال بالعقل الفعال . أما رسالته المسماة ” قول في اتصال العقل بالإنسان” ، فهو يثبت فيها، كما يقول آسين بلاثيوس: ” أن العقل الإنساني ، وإن كان مجرد قوة أو استعداد لتقبل المعقولات، فإنه إذا اتحد بالمعقولات يصير صورة الصور كما هو الحال في العقل الفعال ، بمعنى أنه يصير بمثابة محلل المثل ومكان المعقولات، وهو ما تصوره أفلاطون في محاورة طيماوس ورفض أرسطو قبوله ؛ لأنه لا يتفق مع الأساس التجريبي لرأيه في النفس” . وفي هذه الرسالة ـ كما في غيرها من كتب ابن باجة ـ روح سارية من التدين تستوجب تصحيح الآراء القديمة التي قررها بعض المستشرقين ، والتي تتهم ابن باجة بأنه وجه الفلسفة توجيها يتعارض مع النزعات الصوفية .

نقلاً عن “تاريخ الفكر الأندلسي” (بتصرف).

آنخل غونثالث بالينثيا، تعريب حسين مؤنس،

مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة 2008.