إذا كانت بعض الأحكام الفقهية قد حرمت الرقيق من تولي بعض المناصب، فسدت بذلك الطريق أمامه، مثل وظيفة الحسبة، التي جعل الماوردي من شروطها “أن يكون حراً عادلا ذا رأي وصرامة”، فإن هناك مجالات أخرى كانت الباب مفتوحة فيها أمام الرقيق، ولكن في حدود.

سجل أحد الباحثين أن تمييزا بين الرقيق الأسود والرقيق الأبيض مورس خلال إسناد بعض المناصب إلى أفراده. واعتمد في ذلك على استعمال الخليفة الفاطمي عبيد الله فتيانا صقلبيين في منصب عمالة القيروان، سنة 926م، لينتهي إلى أن العبيد السود أو الموالي لا نقابلهم في أي من وظائف السيف أو القلم.

يصعب تعميم هذا الحكم على رقيق الأندلس خلال القرنين 11-12م، وبالقدر نفسه صعب علينا العثور على رقيق أسود في مناصب ذات بعد ثقافي. وهو أمر يدعو إلى الارتياب، كما يدعو في الوقت نفسه إلى المزيد من البحث والتنقيب، قبل إصدار حكم من هذا القبيل، خاصة ونحن نتوفر على مثال صريح لجارية من أصل سوداني تعرف بإشراق السويداء، فاقت سيدها في العربية واللغة والآداب، واشتهرت خاصة في علو كعبها في ميدان العروض… فما الذي كان يمنع هذه الجارية من تولي منصب كاتبة مثلا؟ نعتقد أن الجواب على هذا السؤال يوجد في الترجمة التي خصها بها ابن عبد الملك، فقد كانت جارية لأحد رجالات الأدب في قرطبة، هو أبو المطرف عبد الرحمن بن غلبون القرطبي الكاتب، ولم تكن جارية أمير أو خليفة.

ولدينا نماذج أخرى رغم قلتها، تبرز المكانة التي بلغها بعض موالي الأندلس. فقد تولى تليد الفتى مولى الخليفة الحكم المستنصر الأموي، الإشراف على خزانة الكتب بقصر بني أمية في قرطبة. وهي مهمة تتطلب مؤهلات ثقافية ومكتبية خاصة. فقد كان تليد هذا المصدر الوحيد عن فهارس هذه الخزانة، حيث نقل عنه ابن حزم عدد فهارسها…

وهذا صندل الفتى الذي أثنى ابن عبد الملك على علمه ومعرفته، يتولى منصب الكتابة لدى القادر ابن ذي النون في بلنسية، بل إن “عليه كان معوله في تدبير رياسته”. وهو المنصب الذي شغله أيضا محمد ابن خيرة مولى أبي هريرة لدى إسماعيل بن ذي النون.

ويبقى رأي القلقشندي القائل بضرورة توفر صفات خاصة في العبد قبل توليه منصب كاتب القاضي، محل تساؤل! فقد صرح: “شرطوا في كاتب القاضي أن يكون حرا لما في العبد من النقص، فلا يعتمد في كل القضايا، ولا يوثق به في كل الأحوال”. حيث نعتقد أن الأمر سواء بين كاتب القاضي وكاتب الأمير!

كما تولى الفتح مولى الحسن بن الوليد بن الحاكم الأشبيلي مهمة الوراقة، وهو عمل يتطلب معرفة كبيرة بالخطوط، وغيرها من الفنون الأدبية والعلمية.

ولدينا مثالان حول تولي الموالي منصب القضاء، فقد ولى الأمير الأموي محمد، المولى عمرو بن ليث القبعة، قضاء الجماعة في قرطبة، وهو أول من ولي قضاء الجماعة للخلفاء من الموالي. ولم يتم الاعتراض على ولايته القضاء، وإنما اعترض الناس على الصلاة وراءه، مما يعني أنه لا غرابة في تولي المولى القضاء، فكيف بحرمانه من مهمة كاتب القاضي كما ذهب في ذلك القشلقندي وغيره.

أما المثال الثاني فهو امتداد للأول، ويخص ابن مولى يدعى أحمد بن أبي الحسن نبيل الرومي، الذي كان مولى لأبي القاسم بن محمد بن أبي بكر بن رزين التجيني الشقوري، ولم يمنعه انتسابه إلى مولى من توليه قضاء مرسية ودانية وألقنت وسبتة وغيرها.

د.عبد الإله بنمليح، كراسات أندلسية، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، مطبعة النجاح الجديدة- الدارالبيضاء، الطبعة الأولى 2008