كان موسى بن نصير قبيل اختياره حاكماً على المغرب يشغل وظيفة المستشار لحاكم مصر النافذ عبدالعزيز بن مروان المرشح للخلافة بعد أخيه عبد الملك. وكانت تربط الرجلين ببعضهما علاقات إعجاب متبادلة، فالأول كان يستمد هذا الشعور من ولاء أسرته القديم للأمويين، والثاني كان يحفظ تقديراً ومودة لهذا الرجل الذكي المتحرر من بكر بن وائل، تلك القبيلة التي أنجبت عدداً  من القواد شهدت لهم جبهات الفتوح في كل مكان لا سيما الجبهة العراقية.

وهكذا فإن ولاية المغرب ستعرف قائداً من العسكريين المحترفين الذين مروا في تاريخها منذ أكثر من نصف قرن، ولكنه تميز عن هؤلاء باحترافه الحرب البحرية منذ وقت مبكر إلى جانب إتقانه فنون الحرب البرية، فضلاً عن شخصية جذابة وتجربة طويلة في عالم السياسة. ذلك لأنه عاش عن كثب مشاكل الدولة الأموية فاكتسب منها الخبرة والمعرفة. فلا عجب إن وصف موسى بأنه من أقدر رجالات الدولة الأموية وألمعهم ذكاء في تلك الفترة.

كان موسى بن نصير هو الذين عين طارقاً بن زياد قائداً للقوات الإسلامية المكلفة بفتح الأندلس. ورغم تحقق هذا الفتح بنجاح، فإن موسى كان يدرك خطورة الانتشار الواسع للقوات العربية في اسبانية دون تغطية عسكرية كافية، فأبحر بقوات جديدة ربما بلغت ثمانية عشر ألفًا )رمضان 93/ حزيران 712(. ولا شك أن الحاجة الملحة استدعت الحضور بهذا العدد الكبير من الجند بناء على تقرير من طارق الذي يبدو أنه شعر بضرورة تكثيف القوات العربية هناك. وفي  )الجزيرة الخضراء ( لبث وقتًا في اجراءات تنظيمية حيث وزع المهمات على قواده وعقد اجتماعاً مع يوليان الذي اتخذ من هذا المكان مقراً له. ويُعتقد انه ناقش معه تطورات الحرب وتقييم النتائج الأخيرة لحملة طارق والظروف المستجدة بعد دخول الحملة الثانية. ولعل يوليان زوده بالمعلومات الجغرافية عن الطريق الذي تقرر أن يسلكه بقواته وعن المعاقل المهمة التي لا تزال خارج اطار السيادة العربية. وبالفعل تحرك موكب الحملة الجديدة من الجزيرة الخضراء عبر طريق آخر يفضي إلي إشبيلية، احدى أكبر مدن الأندلس. ولقد أبرزت بعض المصادر التاريخية بأن اتخاذ موسى الاتجاه في غربي الأندلس كان أنفة منه في السير وراء طارق وعلى طريقه. وهو تعليل ساذج بلا ريب لأن الجزء الأكبر من إسبانية لم تصل اليه السيطرة العربية، فأعمال طارق اقتصرت على الإقليم المتوسط وهي رغم أهميتها في القضاء على نظام القوط وعاصمتهم، فإن مناطق أخرى مهمة سواء في الغرب أو في الشرق لازالت بعيدة عن قبضة العرب. وهنا يكمن الدور الكبير الذي كان على الحملة الجديدة ان تقوم به في أحكام السيطرة على هذه المناطق. فليس من المنطق في شيء أن يجتاز موسى الطريق المفتوح حيث النفوذ للعرب إلا إذا صح الزعم بأن أمير القيروان قدم في مهمة تأديبية لقمع قائده الذي خرج عن الأوامر وتجاوز التعليمات. لكن من المؤكد أن موسى الذي لم يندفع بهذا الدافع، آثر السير في طريق لم تمر عليها أقدام عربية، وهو القرار البديهي من وجهة النظر العسكرية. وهذا يجرنا إلى مناقشة الزعم الآخر بأن شراهة موسى إلى الغنائم كانت دافعه الأهم لاجتياز مدن غنية تفوق قيمة وثراء المدن التي سقطت بيد طارق. ولعل تهمة الشراهة ليس لها ما يسوغها خاصة عندما تُلصق بشخصية من نوع موسى بن نصير الحاكم المطلق على المغرب وبعض الأندلس في ذلك الحين، حيت تعود اليه كل غنائم طارق أو سواه من قواده وهو أمر لا مناقشة فيه.

استهل موسى عملياته الحربية بالسيطرة على مدينة شذونة Sedona ) إلى الشمال الغربي من الجزيرة الخضراء( بعد مقاومة من أهلها، وانعطف شرقًا إلى قرمونه وهي قاعدة عسكرية محصنة، فاستغرق حصارها وقتًا قبل أن تضع سلاحها وتستسلم. ثم سار إلى إشبيلية الهدف الرئيسي من خطته وهي تقع على نهر الوادي الكبير شأنها شأن قرطبة. وتوصف بأنها مدينة عريقة ذاعت شهرتها حتى قبل دولة القوط. ولم تؤخذ إشبيلية بسهولة فقد قاومت بعنف حصار العرب الذي استمر بضعة شهور، ولم ينجح موسى في أخذ المدينة إلا بعد مساعدات من الداخل حيث قام اليهود بدورهم المتفق عليه لصالح العرب. وكان نصيبهم المشاركة في حامية عسكرية أكثر عناصرها من البربر، وبعد الافراغ من القضاء على القوط وتطهير المدينة من كل جيوب المقاومة )94/713(. تابع موسى طريقه نحو مارده ) على نهر وادي آنه( وكانت مدينة حصينة محاطة بالأسوار، اذ فقد العرب عدداً غير قليل من القتلى أثناء حصارها، ولكنها ما لبثت ان استسلمت بعد هجمات سريعة انتهت باختراق أسوارها ) شوال 94/ 30 حزيران 713(. وبعد سقوط ماردة نظم موسى حاميتها العسكرية من العرب والبربر دون اللجوء إلى جاليتها اليهودية الكبيرة، ولعل هذا مؤشرا إلى أهمية المدينة من جهة وإلى بداية السيطرة العربية المركزة على مرافق البلاد من جهة أخرى. ولقد شعر موسى بعد سقوط هذه المدينة بأن الوقت حان لاتخاذ مقررات تنظيمية باعلان الحكم العربي والقوانين الإسلامية في المدن المفتوحة. وبعد قليل من الوقت غادرها منعطفاً إلى الشمال الشرقي نحو طليطلة حيث استقر بها طارق منذ الشتاء الماضي. وفي الوقت نفسه بلغته أنباء ثورة اشبيلية فأرسل ابنه عبدالعزيز للقضاء عليها، وهي أول ردة فعل ضد السيادة العربية تقوم بها فلول القوط المهزومة مستغلة ضعف الحامية العربية. ولكن المحاولة لقيت الفشل الذريع عندما قضى عبدالعزيز على الثورة وأعاد الأمور إلى نصابها. أما طارق بن زياد ـ وكان متتبعاً لأخبار سيده ـ فما كاد يعلم باقترابه من طليطلة حتى غادر المدينة للترحيب به، فنزل في وادي تاجة والتقى بموسى أخيرا في طلبيره على بعد سبعين ميلا إلى الغرب من طليطلة.

الدولة العربية في إسبانيا، – بتصرف-

ابراهيم بيضون،

دار النهضة العربية، بيروت،  1978