كان من الصعوبة بمكان على يعقوب المنصور إيقاف خطر الأعداء في وقت واحد بكل من الأندلس وإفريقية، وهكذا فقد استغل البرتغاليون أولا وجوده في إفريقية، ثم حالة الإرهاق التي كانت عليها قواته بعد العودة منها، وأخيرا انشغاله بمؤامرات أقاربه، ليكثفوا من هجماتهم التي امتدت إلى مختلف أنحاء الأندلس. ففي البرتغال وبعد أن خصص سانشو، الذي خلف والده هنريكيث على العرش عام 1185م، السنوات الثلاث الأولى من عهده لإعادة تعمير وتنظيم المراكز والقلاع التي أصابها الخراب من جراء الحروب، وهو ما جعله يستحق لقب “المعمر” الذي اشتهر به، بدأ بمهاجمة أراضي المسلمين، وقد استغل في ربيع 1189م وجود الجيوش الصليبية الجرارة القادمة من بلدان الشمال، على أراضي مملكته، وكانت عادة تتوقف في الموانئ البرتغالية إما اضطرارا أو اختيارا أثناء توجهها نحو فلسطين، ليقوم وبمساعدتها بغزو شامل لمنطقة غرب الأندلس، وكانت البداية بأهم معاقل هذه المنطقة وأكثرها تحصنا وهي مدينة شلب.

وخلال نفس سنة 1189م، أي بعد عام واحد من استعادة القدس من طرف صلاح الدين الأيوبي، أرغمت العواصف البحرية عددا من الفلاندريين والألمان المتوجهين الى فلسطين على ظهر أسطول مكون من خمسين سفينة فرنسية، للالتجاء الى ميناء لشبونة، وكانت هذه السفن قد توقفت قبل ذلك في ميناء شنت ياقب. وأثناء وجودهم في لشبونة اتفقوا مع سانشو للتوجه الى شلب على اعتبار أنها كانت ملجأ للقراصنة، وعلى اعتبار أن المسلمين كانوا ينطلقون منها نحو مختلف جهات بحر المحيط (المحيط الأطلسي) حيث يأسرون الكثير من المسيحيين ويستولون على ثرواتهم.

وقد استهدف الهجوم في البداية مدينة “أوبورتو” حيث تمكن الفيلق الصليبي من إبادة ساكنتها التي تقدر بستة آلاف نسمة، هذا النجاح شجع سانشو على تكرير العملية خصوصا مع مجيء قوات صليبية أخرى ألمانية وإنجليزية. وقد غادرت هذه القوات خليج تاجة يوم 16 يوليو 1189م، وفي ظرف أربعة أيام رست في خليج “بورتيماو” على بعد 12 كلم من شلب، ثم انتقلت بعد ذلك إلى ميناء نهر “دراري” الواقع على مسافة ثلاثة أميال من شلب وذلك للالتقاء بالقوات البرتغالية البرية المشاركة في الحصار وكان على رأسها الكونط “ميندو”.

مباشرة بعد هذا، تمت مهاجمة شلب بعزيمة كبيرة حيث تم احتلال أرباضها، وأمام هول المفاجأة، انتابت سكانها حالة رعب التجئوا معها الى ما خلف أسوار المدينة دون أن ينتبهوا إلى أنهم تركوا أبوابها مفتوحة. وحسب مؤلف “تاريخ سانشو الأول” فإنه كان من السهل وقتها احتلال المدينة، غير أن جشع الأجانب المشاركين في الهجوم حال دون ذلك؛ حيث انهمكوا في النهب وحمل كل شيء نفيس وجدوه  بالأرباض إلى سفنهم وإضرام النيران فيما دون ذلك.

وفي 21 يونيو وكان قد مر شهر كامل على بداية الحصار، التحق سانشو الأول بالمحاصرين على رأس قوات برية جديدة، في نفس الوقت أرسل أسطولا من 40 سفينة بحرية للمشاركة في الحصار من جهة البحر. ورغم تشديد الحصار على المحاصرين باستعمال المجانيق والبراقيل، ورغم محاولة الفلاندريين تدمير أسوار المدينة، فإن استماتة سكانها حالت دون احتلالها.

وبعد مرور ثلاثة أسابيع على وجوده في المخيم، اقتنع سانشو باستحالة اختراق المدينة، واعتبر أن الوسيلة الوحيدة لإخضاعها تتمثل في قطع المياه عنها، وكان نجاح هذه الخطة رهينا بالسيطرة على بئر قراجة، وكانت هذه الأخيرة حسب مؤلف “تاريخ سانشو الأول” محاطة بثلاثة أبراج للمراقبة وبسور يمتد إلى غاية النهر، وقد تمكن المحاصرون من هد أحد الأبراج الثلاثة  -الأقرب منها إلى البئر- ثم اجتازوا بعد ذلك الأسوار بواسطة السلالم، وهو ما سمح لهم بالسيطرة عليها. ولما لاحظ المسلمون أن المحاصرين اجتازوا الصور المحاذي للبئر، وأنهم يتجهون نحو أبواب المدينة، خرجوا ضدهم، حيث وقعت معركة حامية الوطيس دامت إلى نزول الظلام دون أن تحسم لأحد. إثر ذلك تراجع المسلمون داخل المدينة، بعدما أحكموا إغلاق أبوابها.

التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية. تأليف أمبروسيو هويثي ميراندا. ترجمة  عبد الواحد أكمير. منشورات الزمن – الطبعة الأولى 2004