يستطيع المتتبع لواقع حركة الترجمة في مدينة طليطلة أن يلاحظ مدى أهمية “مدرسة المترجمين”، فقد كانت أهم مراكز النشاط الفكري والعلمي في أوروبا في ذلك العصر، إلى جانب صقلية بطبيعة الحال، وكانت غايتها هي ترجمة التراث العربي إلى اللغة اللاتينية التي بدأت تنتعش وتستفيق من ركودها.

تأسست هذه المدرسة في القرن الثاني عشر ميلادي خلال حكم ألفونسو السابع 1126-1157م. ويعود الفضل في تأسيسها أيضا إلى كبير الأساقفة في طليطلة ضون رايموندو آنذاك، كما ساعدت بعض الظروف الايجابية على إنجاح مهمة هذه المدرسة، وهي وفرة الكتب العلمية بها والتي تفرض على الباحثين ترجمتها لأهميتها، وقيمتها العلمية الكبيرة، وأيضا لهجرة نفر غفير من اليهود ناجين بأنفسهم من نواحي الأندلس الإسلامي، بسبب اشتداد الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي أول الخلفاء الموحدين في تعقبهم، وكان لهؤلاء دور كبير أيضا في المساهمة في حركة الترجمة، حيث عملوا إلى جانب المسلمين (الذين مكثوا بعد استرجاعها) والمسيحيين، بحماسة وتفان كبيرين.

يقول الباحث المغربي حسن الوراكلي عن أهمية هذه المدرسة: “إن الحديث عن هذه الترجمة بالأندلس خلال هذا القرن (5هـ/12م) يعني بالدرجة الأولى الحديث عما عرفته هذه المدرسة من نشاط وحركة دائبتين، نهض بهما المترجمون، في دأب وجلد، على مدى سنوات متوالية، ينفقون من جهدهم وعلمهم في نقل ألوان من المؤلفات الموضوعة والمنقولة في الحساب، والفلك، والهندسة، والطب، والعقاقير، والكيمياء، والفيزياء، والطبيعة، والفلسفة، والمنطق، والأخلاق، والسياسة”.

نريد هنا أن نلفت الانتباه الى حقيقة مهمة وأساسية في نفس الآن ونحن نتحدث عن هذه المدرسة، وهي أنها تأسست في عهد “ألفونسو السابع” واحتضنها كبير أساقفة طليطلة آنذاك “رايموندو”، وليس كما يذهب بعض الباحثين العرب المعاصرين من أن الذي أسسها هو ألفونسو العاشر (العالم)، واحتضنها “ريموندو مارتين”.

والحق أن هذه النشأة قد تمت قبل حكم ألفونسو العاشر، وقبل مجيء مارتين بقرن تقريبا، إلا أنه يمكن القول إن ألفونسو العاشر ومارتين ساعدا على تطورها وتقدمها، بما أسبغاه على علمائها من رعاية، وما أضفياه على هذه المدرسة من اهتمام، وعناية كبيرين.

 

الأندلس برؤى استعرابية، د.محمد العمارتي، منشورات: دار الكتب العلمية بيروت- لبنان