يمكن رصد تحول الموالي من مرحلة التلقي الثقافي- المباشر وغير المباشر- إلى مرحلة العطاء والتلقين، من خلال مشاركتهم في المناخ الثقافي الأندلسي خلال القرنين 5-6هـ/11-12م، عبر توليهم وظائف مهمة، تكشف عن نبوغهم، وكذا عبر ممارستهم للتأليف. والنماذج التي تسجل هذا التحول وهذه المشاركة – على ندرتها – تسمح لنا : أولا بإعطاء فكرة عن إمكانية تسلق الرقيق/الموالي المراتب العلمية، والتربع على كراسيها. وثانيا تؤكد الإجحاف الذي لحق بالموالي من خلال عدم السماح لهم باكتساح المجال الثقافي، من بابه الواسع، إلا في حالات محدودة جدا.

ومع ذلك نتوفر على بعض الإشارات إلى قيام الموالي بدور خطير يتمثل في إسناد السادة إليهم تعليم أبنائهم، وتيسير السبل أمامهم للإقبال على الدرس. مثال ذلك أبي الفقيه أبو إسحاق الجبنياني (المتوفى سنة 369هـ/989م).

كما أن رجلا أندلسيا “كانت له في صغره خادم أعجمية تحضنه وتكفله”. وهي مهمة خطيرة دون شك، باعتبار أن الخادم أعجمية، لها ثقافة خاصة، وربما تسلل إلى الطفل الصغير شيء منها، خلال حضانتها وكفالتها له. غير أن مصادرنا لا تسعف في تتبع مظاهر هذا التأثير، سواء عبر رقيق صقلبي أو سوداني أو محلي.. وكذا يهودي أو نصراني..

وقد تمكنا من خلال التقاط مجموعة من الإشارات، أن نرسم جدولا يضم نماذج لموال سجلوا حضورهم الثقافي في المغرب والأندلس خلال القرنين 5-6هـ/11-12م. وهو حضور تعبر عنه مساهماتهم في حقول معرفية متنوعة مثل الأدب والشعر واللغة والفقه والحديث والتصوف وغيرها.

وقد أتاحت لنا قراءة هذا الجدول تسجيل الملاحظتين التاليتين:

  1.  بلغ عدد النماذج المعتمدة 28 حالة، ستة منها لجوار، مما يقدم نسبة ضعيفة لا تصل إلا إلى 2,14 فقط. ويبقى عدد الحالات جميعها وهو 28 ضعيفا بشكل كبير إذا ما قورن بأسماء الشخصيات التي حفلت بها كتب التراجم خلال فترة الدراسة. بل إن تصفح عنوان واحد منها، يكشف عن هول هذا الاستنتاج.
  2.  تنوعت مجالات حضور الرقيق في المجال الثقافي، ويكشف الجدول عن اشتهار موال بالعلوم الدينية كالفقه والحديث والرواية والقراءات وعلم القرآن والتصوف والفرائض، وبرزت أسماء أخرى في مختلف الفنون الأدبية من أدب وشعر ولغة وعروض.. مع تسجيل غلبة العلوم الدينية.

 

العطاء الثقافي للموالي، نماذج من القرنين (5-6هـ/11-12م)، د.عبد الإله بنمليح

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات 2008.