أثارت الحركة الحفصونية كثيرا من الجدل من قبل لفيف من الباحثين – عربا ومستشرقين – لكن على الرغم من وفرة الدراسات الكلاسيكية منها والحديثة، فإن أيا منها لم تربطها بسياسة الإقطاع في الأندلس خلال الحقبة التي ظهرت فيها على مسرح الأحداث، وهي النصف الثاني من القرن 3هـ. لذلك لم تهتم سوى بجانبها العسكري حيث صورت زعيمها كبطل استطاع أن يجعل أكثر من نصف مساحة الأندلس تحت سلطته. وظلت هذه الدراسات منذ القرن التاسع عشر، بدءا من المؤرخ الاسباني سيمونيت وما زالت إلى الآن تعد الانتفاضة حركة وطنية واجهة الاحتلال العربي.

وانطلاقا من هذه الرؤية، عالج أغلب المستشرقين الحركة الحفصونية من زاوية عنصرية قحة شوهت تاريخها. وحسبنا على ذلك ما وصلوا إليه من أحكام خاطئة، فنعتوها بأنها يقظة للوعي الاسباني، وكفاح لأمة مضطهدة، وبروز للشخصية الاسبانية. بينما رءاها بعضهم حركة تحررية، واعتبروا زعيمها بطلا للاستقلال وموقظا للحس الوطني. بل قرنتها بعض الدراسات بحركة الاسترداد المبكرة. أما أغلب الدارسين العرب فخيل إليهم أنها إحدى حلقات الصراع المولدي – العربي، فانتهوا إلى القول بأنها سعت إلى إسقاط دولة العرب في الأندلس، وبلغ الحد ببعضهم إلى تشبيهها بحركة الموالي في الشرق.

ونحن في غنى عن القول إن هذه الأحكام جاءت نتيجة فصل الانتفاضة عن واقعها الاقتصادي الاجتماعي الذي أفرزها بحيث لم تكن سوى عطاء صادق لسيادة النمط الإقطاعي، وما تولد عنه من ردود فعل شعبية مناهضة.

ومن الأمانة التأكيد على أنها لم تكن حركة بطل كاد يصبح أسطوريا في الدراسات الاسبانية التي لقبته بـEl Caudillo ، بل يخيل إلينا أن هذا البطل لم يكن سوى إفراز لانتفاضة فلاحين وأقنان ضاقوا ذرعا بما حل بهم من مظالم، ولم يستطيعوا تحويل السخط الكائن في صدورهم إلى عمل ايجابي ثوري، إلا بفضل قائد محنك وجدوه في شخص عمر بن حفصون. ولا أدل على ما نذهب إليه من أن استسلامه سنة 303هـ لم يؤثر في مسار الانتفاضة، حيث استمرت إلى أن توفرت الظروف الموضوعية لنهايتها…

كيفما كان الأمر، فزعيم الحركة هو سليل أسرة من المولدين، وليس من أهل الذمة كما تذكر بعض المراجع. اعتنق جده الرابع الإسلام، وبذلك أصبحت سلالته مولدية بحكم إسلامها…

ولعل هذا النسب المولدي هو ما جعل المؤرخين العرب يتحاملون على حركته، بحيث يمكن القول إنه لا توجد في التاريخ الأندلسي حركة تعرضت لتحامل أكثر من حركة ابن حفصون. ولا ريب أن ذلك نبع من موقع طبقي حيث ناهض المولدون تفوق الارستقراطية العربية، فرأى فيهم مؤرخو البلاط عدوا تاريخيا، ودمغوا الحركة الحفصونية بأبشع الصفات. وحتى ابن حيان الذي يعد أكبر المؤرخين موضوعية، لم يتورع عن نعت ابن حفصون بالخبيث والفاسق وجرثومة الضلال ورأس الغواية وغير ذلك من النعوت التي لا تمت بصلة إلى حقيقة هذا الزعيم.

المهمشون في تاريخ الغرب الإسلامي، تأليف: د.إبراهيم القاديري بوتشيش، دار النشر: رؤية للنشر والتوزيع- القاهرة، 2014.