وُلد عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك في ضواحي دمشق ، وأمه أَمَة بربرية من قبيلة نفزة المغربية. وعندما سقطت دولة الخلافة الأموية، إثر هزيمة مروان بن محمد في معركة الزاب في (11 جمادى الآخرة 132 هـ/ 25 كانون الثاني 750 م)، ثم دخول عبد الله بن علي، عم أبي العباس السفاح، أول الخلفاء العباسيين، إلى دمشق في (25 رمضان/ 7 أيار) ليجهز على من تبقى من الأمويين، يمَّم وجهه صوب المغرب على أمل الاستقرار في ربوعه لأنه بعيد عن العراق، مركز نفوذ العباسيين، كما أن له فيه أقرباء يمكن الاعتماد على مساعدتهم، وهم أخواله من بني نفزة.

مرَّ عبد الرحمن بفلسطين وهو متخفٍّ خشية افتضاح أمره، وانضم إليه فيها مولاه الأمين بدر الذي ربط مصيره بمصير سيده الشاب، وتابع طريقه إلى مصر ثم إلى إفريقيا، ووصل إلى برقة، ثم توجَّه إلى طرابلس، فالقيروان فالمغرب الأقصى ووصل إلى شاطئه المقابل للأندلس، وراح يخطط لعبور المضيق.

الواقع أن عبد الرحمن لم يفكر مطلقاً، حين غادر الشام، بالعبور إلى الأندلس وخطَّط للإستقرار في إفريقيا وتأسيس دولة أموية فيها، إلا أنه لم يفعل. ويبدو أن لذلك علاقة بالنظرة السياسية لعبد الرحمن بن حبيب الفهري الذي راح يخطط للانفصال بإفريقيا عن مركز الخلافة في ظل الفوضى التي نجمت عن انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين، حيث ثقلت فلول بني أمية عليه، فتشدَّد في معاملتهم وضيَّق عليهم وقتلهم وصادر أموالهم. ولما علم عبد الرحمن بنيته هرب مع جماعته واستقر عند أخواله قرب مضيق جبل طارق.

والواضح أن عبد الرحمن بن معاوية لم يقتنع بدوره في إفريقيا بعد أن اطلع على أوضاعها، ولم يجد فيها الأرض التي تحقق طموحه في إقامة دولة للأمويين. وكانت الأندلس القريبة منها تمزقها الحرب الأهلية، وتتعرَّض لهجمات النصارى في الشمال، حيث كان من العسير على الأندلسيين الاتفاق على زعيم يلتف الجميع حوله، فتوجَّه بطموحه إلى هذه الولاية، وكانت أخبارها المثيرة تصل إليه أتباعاً، فوجد فيها الفرصة الأكثر منالاً من المغرب.

شرع عبد الرحمن يعمل على استغلال الموقف لمصلحته، فأرسل مولاه بدراً إلى الأندلس ليعبئ أنصاره فيها، وهم بقايا الفرقة الشامية الذين حوصروا في سبتة مع بلج بن بشر إبان ثورة البربر، وتمركزوا في كورتي جيان وإلبيرة  بزعامة أبي عثمان عبيد الله بن عثمان وصهره عبدالله بن خالد.

عبر بدر المضيق في (ذي الحجة 136 هـ/ حزيران 754 م) حاملاً رسالة سيده إليهم، يخبرهم فيها ما لاقاه في إفريقيا على يد عبد الرحمن بن حبيب، ويعلمهم بأنهم موالي أسرته، ومن حقه عليهم أن يحموه ويساعدوه، وهو إنما يريد إعزازهم إن منعوه وآزروه، وهيأوا له الأمر لطلب سلطان الأندلس.

اجتمع بدر، فور وصوله إلى ساحل إلبيرة، بهؤلاء الأنصار وعرض عليهم مأساة الأمويين والكارثة المفجعة التي حلَّت بهم، كما عرض المطاردة الصعبة التي عانى منها سيده الأموي حتى نجا بأعجوبة، من دون أن ينسى التركيز على مهمته الأساسية، مشيداً بصفات عبد الرحمن بن معاوية ومؤهلاته كحفيد لهشام بن عبد الملك، ومقدرته على ردِّ الأمر لجماعة الأمويين إذا ما أُتيحت له فرص المساعدة.

اتسم الاجتماع، الذي انعقد في طرَّش، بالود والإجابية، ولم يتردَّد الزعيمان الشاميان في تنفيذ رغبة الأمير الأموي فوراً، فاتصلا بحليفهما أبي الحجاج يوسف بن بخت، زعيم الموالي في قنسرين، واستقطباه، وأتاح ذلك نجاحاً أولياً لمهمة بدر، حيث أسفرت اتصالاته عن قيام نواة جماعة مؤيدة للأمير الأموي. واعتقد هؤلاء أن قضيته سوف تتحقق لهم، في حال نجاحها، مكاسب كبيرة على الصعيدين السياسي والمادي، ومع ذلك، فقد ارتأوا ضرورة الاطلاع على رأي الصميل بن حاتم في هذا الموضوع لأن انضمامه إليهم سيفتح آفاقاً واسعة لقضية عبد الرحمن بن معاوية.

ويبدو أن الصميل بن حاتم لم يتحمَّس كثيراً لهذا الأمر، لقد شغل تفكيره آنذاك شريكه في الحكم يوسف الفهري وموقفه المتخاذل إبان محنته في سرقسطة، فطلب من أصدقائه بعض الوقت قبل إعطاء رأيه النهائي.

وتجدَّد اللقاء مع الصميل بن حاتم أثناء إخماد ثورة المتمردين في سرقسطة في عام (137 هـ/ 754 م)، وذكَّره أبو عثمان عبيد الله بأمر عبد الرحمن بن معاوية، فأجاب بالأيجاب، وطلب منه أن يكتب له ويدعوه للعبور إلى الأندلس، وأضاف بأن يزوجه إحدى بناته بحيث يصبح واحداً منهم. وخرج أبو عثمان عبيد الله وخالد بن عبد الله من عنده وهما يعتقدان بأنهما نجحا في خطتهما.

ولكن يبدو أن تلك الموافقة التي أملاها يوسف الفهري كانت عابرة ولن تلبث أن تتبدَّد. فبعد أن انفض الاجتماع أعاد الصميل بن حاتم النظر في قراره ودرس نتائجه الخطيرة على مستقبله السياسي. والواقع أنه لم يكن محاوراً سهلاً يفصح عن نواياه بهذه السرعة حتى ولو كان الطرف الآخر صديقاً، فكيف إذا كانت القضية، موضوع الحوار، مصيرية، والمعروف أنه لا زال، على الرغم من كل ما تعرَّض له، الرجل النافذ والمهيمن على السلطة، وهو يفضِّل، في مطلق الأحوال، استمرار الوضع الراهن على أن يربط مصيره بشخصية كعبد الرحمن بن معاوية لا يملك من مقومات المنافسة إلا القليل. وما إن أدرك ذلك حتى بادر إلى تغيير موقفه خشية من أن يطغى نفوذ الأمير الأموي على نفوذه لأنه من أسرة قوية، وأبدى لصديقه عن استعداده لمساعدته إن طلب غير السلطان والولاية، كما لفت نظرهما بأنهما ملزمان بطاعة يوسف الفهري.

وإذ فشلت محاولة استقطاب الصميل بن حاتم، توجَّه فريق الأمير الأموي إلى الحزب المعارض، من القبائل اليمنية، ذي الكثافة العددية، والذي يتخذ مواقفه العدائية الثابتة من الحكم القيسي الموزع بين الصميل بن حاتم ويوسف الفهري، والمتصل عضوياً بالأسرة المروانية منذ معركة مرج راهط.

وأسفرت المفاوضات التي جرت بين الطرفين عن نجاح كبير. والواقع أنه لم يكن هناك ما يدفع اليمنيين إلى التردُّد في القبول بهذا العرض، ففيه الفرصة التاريخية للتحرر من قيود القيسيين الثقيلة، بعد معركة شقندة والانتصاف من الصميل والفهري، كما أنهم امتعضوا من إدارتهما المشتركة التي استهدفت تجريدهم من بعض أموالهم لصالح أنصارهما من جنود قنسرين ودمشق.

وقد استغل أنصار عبد الرحمن بن معاوية نجاح الدعوة له، فاستدعوه إلى الأندلس على عجل.

رأى عبد الرحمن، بناءً على المعلومات التي تلقّاها من بدر وأعضاء الوفد الأندلسي الذي رافقه، أن الأمر مُهيأ لنزوله في الأندلس، وأن عليه انتهاز الفرصة بدون إبطاء، فعبر المضيق ونزل على ساحل إلبيرة في جهة المنكِّب على الساحل الجنوبي الشرقي، وذلك في (ربيع الآخر 137 هـ/ أيلول 755 م)، وهو مفعم الآمال لتحقيق حلمه بتأسيس دولة أموية في هذه البلاد. فكان دخوله بداية مرحلة جديدة في تاريخ المسلمين في الأندلس. فاستقبله أبو عثمان عبيد الله بن عثمان وخالد بن عبد الله ونقلاه إلى قرية طرَّش، وهي قلعة أبي عثمان التي أضحت قاعدة له ومقر القيادة العامة لجيشه.

أحدث دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس ردَّ فعل إيجابي من جانب أنصاره من الموالي وغيرهم من اليمنيين، فتوافدوا عليه للسلام والبيعة. وكان يوسف الفهري، آخر ولاة الأندلس، عائداً آنذاك من سرقسطة، بعد أن قمع حركة التمرد التي تزعمها عامر العبدري والحباب الزهري، وحين وصل إلى وادي الرملة وقع تأثير الصميل بن حاتم الذي اتخذ القرار الأخير، فأمر بإعدامهما. ومرة أخرى يجد هذا الوالي نفسه في مأزق الموافقة ولكن على حساب ضميره المتعب. ولم يمر على ذلك يوم واحد حتى أتاه رسول يخبره  بهزيمة الجيش الذي أرسله لغزو جليقية بقيادة سليمان بن شهاب، ثم أتاه رسول آخر من قرطبة يعلمه بخبر نزول عبد الرحمن بن معاوية في ساحل المنكِّب والتجائه عند أبي عثمان في طُرَّش واجتماع الناس عليه، فاغتم وزداد انقباضاً. ولما انتشر الخبر بين جنده تطرق الخلل إلى صفوفهم فانفضَّ معظمهم من حوله، كما انفض عنه كل ناقم على سياسته وكل من ناله أذى بسبب تصرفاته.

تاريخ المسلمين في الأندلس،

محمد سهيل طقّوش،

دار النفائس: الطبعة الثانية 2008