نتوفر على إشارات تفيد بسعي بعض رجالات الثقافة في الأندلس إلى تعليم الرقيق، وأنموذج ذلك الفقيه والمحدث الأندلسي أحمد بن عبد الصمد الخزرجي القرطبي، المتوفى عام 1186م، الذي وقع أسيرا لدى الأسبان في طليطلة، فألف هناك  رسالة بعنوان “مقامع الصلبان في الرد على عبدة الأوثان”، ردا على قس حاقد على الإسلام والمسلمين. ولكونه كفيفا، فقد أملى كتابه هذا على مملوك رومي له، كان قد “علمه الكتابة فكان يكتب عنه كل ما يؤلف أو يصدر من نظم أو نثر”.

كما أن لدينا أنموذجا آخر يتعلق بدفع المنصور بن أبي عامر لأحد مواليه وهو مجاهد العامري، إلى تعلم القراءات حيث اجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمة القراء بحضرته، فكان سهمه في ذلك وافرا. وهو أنموذج يمدنا بفكرة عن تحول الموالي إلى رافد من روافد انتقال الثقافة من جيل إلى آخر. فقد أثمرت جهود المنصور بن أبي عامر، عندما سطع نجم مجاهد العامري، ليس على المستوى السياسي في شرق الأندلس، حين أصبح أميرا لدانية وجزر البليار، بل أيضا على المستوى الثقافي. فقد أشاد المؤرخون وكتاب التراجم بمكانته العلمية ونبوغه خاصة في علم العربية وعلم القرآن. واستمر مجاهد العامري في سبيل نشر العلم في الجهات التي كانت تابعة له، خاصة في دانية، حتى حج إليه العديد من رجالات الفكر الأندلسي مثل أبي عمرو المقري وابن عبدالبر وابن معمر اللغوي وابن سيدة وغيرهم، وسجل عنه ابن حيان :”فشاع العلم في حضرته حتى فشا في جواريه وغلمانه”.

ويبدو أن هناك نماذج أخرى لرقيق حظي بعناية السادة، مما حدد مساره الثقافي، وسجل حضوره في مجالات فكرية متعددة.

وإلى جانب اهتمام بعض السادة بتعليم رقيقهم، ذهب تجار الرقيق إلى تكوينه في مجالات متعددة، رغبة في رفع سعره، وسعيا إلى الاستفادة المادية منه، وهو ما يمكن أن نعتبره استثمارا تجاريا. فهذا محمد بن الكتاني المتطبب، الشهير بتجارة الإماء القيان في الأندلس، خلال القرن 5هـ/11م، لا يدخر جهدا في الإنفاق على قيانه، حيث “يعلمهن الكتابة والإعراب وغير ذلك من فنون الآداب..”.

ولدينا نص شهير يتحدث فيه عن تعليم قيانه، يقول فيه “فأنا منبه الحجارة، فضلا عن أهل الفدامة والجهالة، وأعتبر ذلك بأن في ملكي الآن أربع روميات كن بالأمس جاهلات، وهن الآن عالمات حكيمات منطقيات فلسفيات هندسيات موسيقاويات أسطرلابيات معدلات نجوميات نحويات عروضيات أدبيات خطاطيات.. وفي هذا أعظم الشهود أني أوحد عصري ونسيج وحدي..”. وهو نص يكشف أيضا عن طبيعة المعارف التي سعى النخاس إلى تلقينها لإمائه، إعدادا لهن لبيعهن بأغلى الأثمان، وهي معارف تجمع بين المنطق والفلسفة والرياضيات والموسيقى والفلك والتنجيم والنحو والعروض والأدب والخط.

حضور الموالي في المشهد الثقافي الأندلسي: نماذج من القرنين (5-6هـ/11-12م)

د.عبد الإله بنمليح، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، كراسات أندلسية -3- مطبعة النجاح الجديدة- الدارالبيضاء.