…عندما تقرر بشكل نهائي مصير شبه الجزيرة الأيبيرية، وسقوطها في أيدي النصارى أخذ ملوك قشتالة يعملون على نقل كنوز الثقافة الإسلامية إلى لغاتهم ليتمكنوا من رفع مستوى الثقافة بين شعبهم.

وكان أول عمل قاموا به هو مواصلة حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية بعد أن كانت في الاتجاه المعاكس في المرحلة الأولى من اللاتينية إلى العربية. ذلك أن المجد الذي حققته اسبانيا المسيحية كان محدودا يتمثل فقط في التفوق العسكري الذي سجلته على المسلمين الأندلسيين في حرب الاسترداد، هذا التفوق العسكري لم يكن يوازيه أو يرافقه تفوق علمي أو ثقافي. ومن هذا المنطلق كان الاحتكاك بالثقافة الإسلامية العربية أمرا ملحا مباشرا، وضرورة حتمية على اسبانيا لكي تؤسس نهضتها العلمية والثقافية والفكرية إلى جانب مجدها العسكري. لذا لم يتم إقصاء الآخر وثقافته (المسلم العربي)، لأنه كان يمتلك – رغم انهزامه عسكريا- مفاتيح الحكمة والمعرفة المتفوقتين آنذاك.

إن اسبانيا المسيحية في العصر الوسيط لم تسلم من التأثير الذي مارسته أشكال الثقافة والمعرفة الأندلسيتين العربيتين عليها، فقد كانت أسيرة هذه الثقافة والمعرفة بشتى أشكالها.

لقد وعت اسبانيا المسيحية مبكرا، ولحظة ميلادها كأمة أهمية الحضارة العربية التي نبتت في أرض الأندلس، ودورها المهم في النهوض العلمي بأمتها، كما وعت أن ثقافتها لن تتشكل على نحو فعال ومزدهر، إلا إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية أهم روافدها.

وتأسيسا على ما سبق يمكن أن نسجل هنا أن الإرث الذي خلفته الحضارة الإسلامية كان من أهم المنابع التي ارتوت منها النهضة الاسبانية، هذه الحقيقة لا يمكن إغفالها أو إقصائها، بل تعتبر مكونا أساسيا يدخل في صياغة المنظومة الثقافية والحضارية لاسبانيا، بل ولأوروبا أيضا. تقول الأستاذة لوثي لوبيث بارالت :” وهكذا وفي لحظة ولادتها كدولة لم تتشكل إسبانيا (وينبغي أن نشكر أميريكو كاسترو على توجيه أنظارنا إلى ذلك) من العناصر الثقافية الغربية فقط، بل من العناصر السامية كذلك. لقد عاش المسيحيون (القوطيون الرومانيو الأصل) جنبا الى جنب مع المسلمين واليهود بقدر من التسامح النسبي خلال فترة العصور الوسطى متحدين بذلك الحرب الأهلية التي أطلق عليها اسم حروب الاسترداد…”.

إن الناظر في نشأة هذا المشروع التاريخي الحضاري في مجال الترجمة، ونقل العلوم العربية بالأندلس يمكن أن يلاحظ أن هذه الحركة قد نشطت بشكل واسع وفعال، وتعاظم شأنها مع بداية القرن الثاني عشر للميلاد، لذا بدأ الاهتمام يتجه نحو استيعاب هذه الحضارة العربية المتقدمة.

يمكن أن نسجل بناءا على ذلك أن اسبانيا العصر الوسيط كانت تدين بالشيء الكثير لاسبانيا الإسلامية، فقد أمكنها أن تصل إلى أوج مستواها الثقافي والحضاري في أوروبا، وتحقق عصرها الذهبي بفضل هذه الثقافة العربية الموجودة على أرضها. يقول المؤرخ الاسباني الكبير(1869-1968) رامون منندث بيدال “لقد انقسمت اسبانيا في عصرها الاسباني شطرين بينهما اختلال كبير في توازن القوى، فالشطر الشمالي استغرقه التدهور العام الذي شمل العالم الروماني في الغرب منذ انعزل ولم يعد له اتصال بالعالم الإغريقي، في حين أن الأقاليم الجنوبية ازدهرت وشاركت فيما بلغته الثقافية العربية من أوج… ومن ثم لم يعد خافيا أنه إذا كانت أعظم ضروب الخلق للنشاط الروحي في القدم وأكثرها ذيوعا يرجع الفضل فيها إلى اليونان، فإن مظاهر التقدم الكبرى فيما بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين في المحيط العقلي يرجع الفضل فيها إلى المسلمين”.

الأندلس برؤى استعرابية، الدكتور محمد العمارتي، منشورات: دار الكتب العلمية بيروت