تعتبر المصادر المسيحية يوم 16 يوليو 1212م – تاريخ معركة العقاب – بمثابة بداية عهد جديد في تاريخ حروب الاسترداد، فقد مالت بشكل نهائي كفة هذه الحروب لصالح المسيحيين على حساب المسلمين، بعدما بقيت كفتها تتأرجح بين هذا الطرف وذلك منذ استعادت المسيحيين لطليطلة عام 1085م. وإذا كان اتجاه مسلمي الأندلس حسب ذات المصادر إلى أبناء ملتهم في الضفة الأخرى للمضيق على عهد المرابطين والموحدين قد أعطى لحروب الاسترداد دما جديدا. وجعل الوجود المسيحي في شبه الجزيرة أكثر من مرة في وضعية حرجة، فإن هزيمة العقاب شكلت نقطة تحول نهائي في هذه الحروب، على اعتبار أنها وضعت حدا لمسلسل التدخلات الناجحة للإمبراطوريات البربرية في شؤون الأندلس، ذلك لأن المحاولات التي سوف يقوم بها المرينيون فيما بعد لن تحول دون الفقدان التدريجي والحتمي للأندلس.

إن ما نسجله على المصادر أعلاه، هو أن ما ذهبت إليه له طابع رمزي أكثر منه واقعي، ذلك لأنها أعطت لمعركة العقاب من الأهمية أكثر مما تستحقه. إننا لا ننفي أهمية الانتصار الذي حققه المسيحيون بها، لكننا لا نرى أنها سجلت نقطة الحسم نهائيا في حروب الاسترداد، ذلك لأن الإمبراطورية الموحدية نظرا لخصوصيتها؛ لم يكن بإمكانها أن تمنع والى الأبد هذه الحروب، وإنما كل ما كان بإمكانها هو تأجيل قيام المسيحيين بها لوقت ما، لأن وضع حد لحروب الاسترداد لم يكن ليتحقق دون القضاء على الممالك المسيحية التي تقوم بها وهو ما لم يكن متيسرا، ولعل ما جرى مع يعقوب المنصور لخير دليل على ذلك، فلم يحصل من خلال غاراته الجريئة على طليطلة، ومن انتصاره الكبير في معركة الأرك، على أكثر من نصف دزينة من الحصون الحدودية الخالية من السكان. لذا فإننا نرى أنه حتى لو كان قد قدر للناصر الانتصار في العقاب، فإن الأمواج الموحدية كانت ستتكسر لا محالة أمام أسوار الحصون القشتالية، ولم يكن الموحدون ليصلوا وفي أحسن الحالات الى ما وراء نهر تاجة، قبل أن يضطروا للتراجع من جديد. بعبارة أخرى؛ إن التسليم بأن انتصار الموحدين في العقاب كان سيشكل خطرا على الوجود المسيحي في شبه الجزيرة الأيبيرية برمتها، يعني أننا نضع في سلة واحدة جنود الرهبانية وغيرهم من القوات المسيحية الموجودة في شبه الجزيرة خلال القرن الثالث عشر الميلادي، مع الجنود الذين اندحروا مع دون رودريغو في مطلع القرن الثامن الميلادي.

نخلص إذا أن المصادر المسيحية أرادت أن تضخم من أهمية معركة العقاب، لتبين خطورة عواقبها على المسيحية لو آل النصر فيها للموحدين، وهو ما فعلته تقريبا مصادر عربية فيما بعد، حيث أنها ربطت انتصار المسيحيين في العقاب بالانهيار المثير للإمبراطورية الموحدية؛ فالناصر عاد منها حسب هذه المصادر خامد الهمة، مملكته في اندحار وأموره في انهيار، بحيث لم يهنأ له بال أبدا، إلى  أن قضى كمدا في شعبان 610هـ، نفس سنة دخول إحدى طوائف بني مرين الرحل إلى المغرب كعادتها بحثا عن المؤونة والكلأ، غير أنها هذه المرة وجدته فارغا من سكانه الذين هلكوا وفرسانه الذين رضخوا والمدافعين عنه الذين استشهدوا في العقاب.

التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية، تأليف: أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة: د. عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن – الطبعة الأولى 2004