بعد خمسة أشهر على سقوط شلب، قضاها يعقوب المنصور في الإعداد للحملة المزمع توجيهها ضد النصارى، قرر العبور إلى الأندلس. وتتحدث كل من المصادر العربية والمسيحية عن العدد الكبير من المسلمين الذين لبوا نداءه للمشاركة فيها وعن العزيمة والحماس اللذين انطلقت بهما.

وكانت مغادرته لمراكش في 14 ذي الحجة (23 يناير1190م)، وعند وصوله إلى الرباط توقف مدة أربعين يوما لإتمام الاستعدادات، في نفس الوقت بعث برسائل إلى الأندلسيين يخبرهم بقرب وصوله ويستحثهم على الجهاد. وفي مارس 1191م (نهاية محرم 586هـ) واصلت الحملة طريقها نحو قصر مصمودة. حيث عبر الخليفة المضيق في اتجاه طريفة يوم 23 أبريل. وقد خصص الأيام التي قامت فيها بقية القوات بعبور المضيق، للاستراحة من تعب السفر ولاستقبال الوفود الأندلسية التي جاءت تقدم تظلماتها من تطاول العمال الموحدين.
وفي الثامن من مايو، غادر طريفة، غير أنه وبدل التوجه إلى إشبيلية كما كان منتظرا، انتقل إلى “أركوس دي لافيرونتيرا”، ومن هناك أخذ طريق قرطبة، في وقت أعطى فيه الأوامر لابن عمه يعقوب بن أبي حفص عامل اشبيلية الجديد لتكوين جيش من الجنود الذين معه، وجنود غرناطة والمتطوعين الأندلسيين ومن انضاف إليهم من قوات قبيلتي صنهاجة وهسكورة، والخروج على رأسه من أجل محاصرة شلب. وفي السادس من يونيو خرج السيد يعقوب نحو شلب التي أقام مخيمه بجوارها (السيد هو الاسم الذي كان يطلق على أمراء الموحدين)، وفي الخامس من يوليو حل بالمدينة الأسطول الموحدي الذي قام بتنسيق معه بضربها بالمجانيق، غير أنه لم يتمكن من اقتحامها.
في تلك الأثناء كان يعقوب المنصور قد حل بقرطبة حيث نزل بقصر أخيه السيد يحيى. وقام مباشرة بعد وصوله، بزيارة أطلال مدينة الزهراء، كما صرف سفراء ألفونسو الثامن الذين جاؤوا للتفاوض من أجل توقيع هدنة جديدة. وحسب رسالة الخليفة الرسمية، فإن المسيحيين تملكهم الفزع قبل وصول القوات الموحدية، لذا حاولوا بشتى الطرق إقناع الموحدين بتوقيع الهدنة أثناء وجود الخليفة بالقصر الصغير، وقد صل إلى اشبيلية مبعوثو ملك قشتالة الذين عبروا عن استعداد سيدهم إعلان ولائه ليعقوب المنصور والتحالف معه ضد الملوك المسيحيين أنفسهم.
وقد ارتاح يعقوب المنصور لهذا الانقسام في صفوف العدو، وقرر في النهاية توقيع الهدنة مع مملكة قشتالة، كما جدد تلك التي كانت له مع مملكة ليون، وبهذه الطريقة تمكن من عزل البرتغاليين الذين أصبحوا وجها لوجه أمام الموحدين، وهو ما أجبرهم على التحصن داخل قلاعهم. والجدير بالذكر أن هناك مجموعة من العناصر خدمت الموحدين في حملتهم ضد البرتغال، فهناك الهدنة الموقعة مع بقية الممالك المسيحية، وهناك تفوقهم العددي، ثم هناك شجاعة الخليفة وخبرته في تنظيم الحملات العسكرية.

التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية، تأليف: أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة: د. عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن – الطبعة الأولى 2004