إن مجموع الحواضر والقرى التي كانت آهلة بالسكان حتى نهاية القرن الرابع ستشهد نزيفا حادا عند مطلع القرن الموالي. ذلك أن النصوص المعاصرة للنصف الأول من القرن الخامس الهجري تؤكد أن سنة  400 هـ  تمثل بداية تراجع ديموغرافي على إثر الأحداث الدامية التي شهدتها العديد من حواضر وقرى الأندلس، وخاصة قرطبة التي كانت مسرحها الرئيسي.

        ونقصد بتلك الأحداث، الاصطدامات العسكرية التي تمثل أحد مظاهرها ما اصطلح على تسميته ̎ بالفتنة البربرية̎ . وهي اصطدامات ترتبت عنها خسائر بشرية فادحة. ويكفي أن نذكر أن مواجهة سريعة بين أطراف ̎ الفتنة̎  بسفح جبل فنتيش بشرق قرطبة في الثالث عشر من ربيع الأول سنة 400هـ /5نونبر 1003م، أودت بحياة ما يزيد عن  عشرين ألف رجل من أهل قرطبة حسب ابن حزم، ما بين قتيل وغريق في نهر قرطبة من الذين حاولوا الفرار من الوقعة وعبروا النهر.

        وقد تواصلت الاصطدامات خلال السنوات القليلة الموالية. وتواصلت معها طبعا الخسائر البشرية والمادية. فتحولت قرطبة من أكبر تجمع عمراني وسكاني إلى مكان موحش مقفر. وهذا ما توضحه الصورة التي نقلها لنا عنها ابن حزم بقوله: ̎ ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها، وطمست أعلامها (…) وصارت صحاري مجدية بعد العمران، وموحشة بعد الأنس… ̎

         وما يذكره ابن حزم عن مصير بلاط مغيث ينطبق على الأرباض العشرين الأخرى التي كانت تتشكل منها قرطبة قبيل اندلاع ̎ الفتنة̎ . فقد قتل عدد كبير من سكانها. ومن نجا من القتل اضطر إلى النزوح إلى منطقة أكثر أمنا. فترتب عن كل ذلك تراجع في ساكنة قرطبة. وهذا ما توضحه بعض المعطيات الرقمية – رغم وجوب التعامل معها بحذر – فقد ورد في نص لمؤرخ مجهول قوله: ̎ أحصيت دور قرطبة التي بها وأرباضها أيام ابن أبي عامر فكان مائتي ألف دار وثلاثة عشر ألف دار وسبعا وسبعين دارا. وهذه دور الرعية، وأما دور الأكابر والوزراء والكتاب والأجناد وخاصة الملك فستون ألف دار وثلاثمائة دار.

        ويقدم لنا ابن حيان نتائج إحصاء آخر شمل دور قرطبة أيام الفتنة من خلال قوله: ̎ (…) وعدة دور الرعايا والسواد بها الواجب على أهلها المبيت في السور أيام الفتنة مائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار حاشا دور الوزراء وأكابر الدولة”.

        ويفيدنا نص المؤرخ المجهول الذي أحلنا عليه منذ حين أن عدد دور قرطبة – وبالتالي عدد سكانها – ظل مستقرا خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. بل وطيلة القرن الموالي كذلك. وهذا ما يتضح من خلال قوله: ̎ (…) كان عدد دور قرطبة في أيام لمتونة المرابطين والمصامدة الموحدين مائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار للرعية، ودور أهل الدولة والخدام وأجناد ستة آلاف دار وثلاثمائة دار…̎ .

        ونحن أكثر ميلا إلى الاعتقاد بأن النزيف البشري الذي شهدته قرطبة وأرباضها بمناسبة أحداث ̎ الفتنة̎  تواصل خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري – وإن بوتيرة أقل حدة – وبالتالي لم يبق من ساكنة أم المدائن سوى عدد قليل. بدليل أن الإدريسي الذي كتب عنها قبل وفاته سنة 560هـ يذكر أن ̎ مدينة قرطبة في حين تأليفنا لهذا الكتاب طحنتها رحى الفتنة وغيرها حلول المصائب والأحداث مع اتصال الشدائد على أهلها فلم يبق بها منهم الآن إلا خلق اليسير…̎ .

        وقد اشتركت مع قرطبة في ذلك النزيف حواضر وقرى عديدة تراجعت هي الأخرى ساكنتها … ففي هذه الحواضر وفي القرى التابعة لها قتل عدد كبير من الأفراد. وإن العديد من الذين نجوا من مخالب الموت هاجروا إلى مدن وقرى أخرى. أو انتقلوا للاستقرار بمدن استحدثت خلال السنوات الأولى من القرن الخامس الهجري كالمرية وغرناطة.

 الزراعة في الأندلس، الدكتور يوسف النكادي، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط، 2007، الطبعة الأولى.