لا شك أن العلاقة القائمة بين الترجمة والتبشير كانت دائما وباستمرار تتسم بنوع من التآلف والانسجام والتعاون، بحيث لا ينهض التبشير إلا في إطار استمداد دعمه وسنده من الترجمة، وقد حقق هذا الانسجام بينهما قدرا كبيرا من النجاح  في اسبانيا العصر الوسيط حين حققت الكنيسة بعض الانجازات في استرجاع مواقعها التي كانت قد فقدتها في الأندلس أثناء الحكم الإسلامي، إذ بلغ الصراع الديني والفكري والروحي في اسبانيا بعد حروب الاسترداد درجة عالية مع بداية القرن الثاني عشر بسبب روح استعادة السيطرة الغربية على اسبانيا.

لقد كان من غير المستساغ، بل من العسير في نظر رجال الدين والعلماء المسيحيين أن ينظروا  إلى الإسلام بعد استرجاعهم لاسبانيا تلك النظرة التي كان ينظر بها الإسلام إلى المسيحية أثناء فترات ضعفها وانحسارها، تلك النظرة السمحاء الخالية من كل تعصب أو كراهية…

ويمكن أن نسجل في هذا السياق أيضا أن سلطة التبشير كانت قوية في هذه الفترة، حتى إنها كانت تقوم بتوجيه الترجمة وتحديد وظائفها وغاياتها، وفقا لطروحاتها وتصوراتها بعيدا عن الأمانة التي تقتضيها الترجمة العلمية، فكانت حبيسة لبعض التصورات التي يروج لها رجال الكنيسة، مما أثر سلبا على فهم الدين الإسلامي، وتعاليمه بشكل أعمق، وخال من كل عداء وعصبية، بل يمكن القول إن الإسلام قد تعرض في تلك المرحلة لأخطر وأكبر هجمة في تاريخه باسبانيا، بسبب تضافر حركة الترجمة مع موجة التنصير والتبشير اللتين كانتا مسايرتين لحروب الاسترداد والاسترجاع لأراضي الأندلس من أيدي المسلمين.

كما نسجل أيضا أن الدور الوظيفي من الترجمة في هذه المرحلة كان يكمن في البحث عن أسلحة أكثر فعالية لضرب الإسلام من داخله، وعن منهج أكثر كفاءة يحدد مضارب الخطر الذي يهدد الكنيسة، مع البحث عن أدوات ذات جدوى في صياغة الجدل والمناظرات مع المسلمين.

ولتحقيق هذه الغاية وجعلها تتجسد بشكل إجرائي عملي وعلى أرض الواقع، تم توسيع نطاق تعلم اللغة العربية ونشرها بين النصارى المسيحيين على أعلى مستوى، فبدأ الناس يدرسونها خصوصا وأن التبشير بين المسلمين يقتضي معرفة عميقة بلغتهم، فشرعوا يجمعون المعلومات لأغراض عقائدية محضة…

لقد كان المبشر الاسباني الكبير رايموندو لوليو (632هـ/714م- 1235هـ/1315م) يدرك أن قوة المعرفة هي السلاح الحقيقي للسيطرة على العالم الإسلامي وتنصيره، وإحلال الجهود العسكرية ومن هنا عمد التبشير إلى وضع شرط تعلم اللغة العربية لكل من يريد التخصص في التبشير، بل عمدوا إلى إنشاء مدارس خاصة لتعليم الصبيان للغة العربية، وقد أسند الإشراف على هذه المدرسة للمبشر ريموندو لوليو

إن التنشئة بهذه المدرسة كانت تهدف إلى تربية جيل يتفانى في خدمة التبشير عن طريق المعرفة بعقيدة الآخر خاصة بعد أن ترجم القرآن وتم التعرف على مبادئ العقيدة الإسلامية، ومن وسائل هذه التنشئة التدريب على الخطابة والإقناع في الحوار والمناقشات.

وبمباركة من الكنيسة الكاثوليكية، وبتوجيه من البابا بطرس المبجل (1094هـ/11565م) رئيس رهبان دير كلوني تمت أول ترجمة للقرآن الكريم الى اللغة اللاتينية في القرن الحادي عشر للميلاد، وكان بطرس هذا من أوائل من اهتموا بنقل الآثار العربية اللاتينية عند زيارته للأندلس.

 الأندلس برؤى استعرابية د. محمد العمارتي، منشورات: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان