كان المجتمع الأندلسي يتألف من عناصر متعددة، وبطبيعة الحال، اختلفت هذه العناصر اختلافاً كبيرا في مواقفها واتجاهاتها إزاء مختلف القضايا التي تواجه مجتمعاً كبيرا مثل المجتمع الأندلسي بسبب تباين الأصول التي انحدرت منها. فالعرب على سبيل المثال كانوا ينتمون إلى قبائل متعددة. وقد أرجع بعض الباحثين، كثيراً من أسباب الصراع، التي حدثت بينهم إلى عوامل تتعلق بأصولهم القبلية، أي مشكلة الصراع بين القيسية واليمنية. ولكن هذا السبب لا يقدم تفسيراً مقنعاً للأحداث، فالعصبية القبلية لم تكن بالتأكيد السبب الرئيسي في الصراع بين العرب في الأندلس، لأننا نرى بأن المستقرين الأوائل على الرغم من اختلاف أصولهم العشائرية شكلوا جبهة واحدة أمام القادمين الجدد من أهل الشام، ورفضوا قبولهم في أراضيهم، مما يدل على أن المصالح والامتيازات التي حصلوا عليها هي التي سببت الخلاف.  وحتى أهل الشام أي المستقرون الذين وزعوا على كور الأندلس المجندة أيضا انقسموا على أنفسهم، حينما كان الأمر يتعلق بالصراع على السلطة والنفوذ، بغض النظر عن أصولهم العشائرية.

أما البربر ، فقد بان لهم موقف خاص، فالموالين منهم للعرب كانوا يؤيدون القبائل التي يوالونها، ويقفون معها ضد مناوئيها، وذلك لأن مصالح الاثنين كانت مشتركة. ونجد في أحيان كثيرة أن مجموعات بربرية أخرى، كانت تلتزم بتأييد حلفائها من العرب.

ولكن بصورة كان البربر يشكلون كتلة مستقلة تشعر أن لها مصالحها الخاصة بها. ويبدو أن بعض ولاة الأندلس لم يكونوا يحسنون معاملة البربر، مما أدى بهؤلاء إلى التمرد، لا سيما بعد أن تمرد إخوانهم في شمال إفريقية على السلطة الأموية التي يمثلها والي افريقية في القيروان. وقد اضطر عبد الملك بن قطن الفهري، والي الأندلس، أن يستعين بالجند الشامي بقيادة بلج بن بشر القشيري للقضاء على تمرد البربر في الأندلس. وقد خلقت هذه الظروف هوة كبيرة بين العرب والبربر، أثرت على علاقاتهم التي اتسمت بانعدام الثقة والحذر.

أما الموالين فقد تميزوا بمكانة جيدة في المجتمع، وكان لهم نفوذ وهيبة بين بقية السكان سواء العرب أو أهل البلاد. وقد تمتعوا بمنزلة اجتماعية كبيرة. فخالطوا كبار القادة من الشاميين والبلديين، فضلا عن السكان المحليين، وأفراد الأسرة القوطية، التي كانت تحكم الأندلس سابقا.

دراسات أندلسية، الأستاذ الدكتور عبد الواحد ذنون طه، الناشر، دار المدار الإسلامي،  الطبعة الأولى ، بيروت – لبنان