يعتبر عبد الملك بن حبيب ( 179/ 238هـ 796/853 أو 854م) أقدم مؤرخي الأندلس، وُلِد في حصن واط، وعاش في إلبيرة وقرطبة في شبابه، وفيهما درس، ثم رحل إلى المشرق وتردد على حلقات الدرس هناك، وخاصة في المدينة المنورة؛ حيث درس الفقه على مذهب مالك بن أنس وأصبح من كبار أنصاره، وسيسصبح فيما بعد من أكبر العاملين على تحويل أهل الأندلس إلى المالكية بعد أن كانوا على المذهب الأوزعي.

كان عبد الملك بحراً من العلم بالشعر والأنساب والتاريخ والفقه والمعاجم والطب، وقد أدرك في الأندلس شهرة واسعة ولقَّبه الناس » بعالم الأندلس «  وجعلوه صنواً لسُحْنون بن سعيد إمام المالكيين في المغرب وعالمه. ثم جلس للتدريس في مسجد قرطبة، وكان يقسِّم طلبته مجموعات لا يُسمعهم إلا كتبه وموطأ مالك. وكان يجلس للإقراء في ملابس غالية بعضها من »الصيدي «وهو حرير ينسج في اليمن، وكان يرى ذلك توقيراً وإجلالاً للعلم الذي يُقرِئُه، وأوقف أملاكه كلها في مسجد قرطبة قبل وفاته.

ولعبد الملك بن حبيب كتب كثيرة يرد ذكرها في تراجمه، بعضها في الأنساب والفلك والطب والأخلاق والشريعة، وألف » الواضحة « التي تعتبر أحسن شرح على موطأ مالك، وقد ضاع معظم كتبه ولم يبقَ منها إلا الكتاب المسمى بـ: » التاريخ « ، ولازال مخطوطاً في المكتبة البودلية في إكسفورد، وعنوانه كما يرد في هذه المخطوطة هو: » كتاب في ابتداء خلق الدنيا وذكر ما خلق الله فيها من ابتداء خلق السماوات وخلق البحار والجبال والجنة والنار، وخلق آدم وحوّاء وما كان من شأنهما مع إبليس، وعدة الأنبياء نبيّاً نبيّاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، وعدة الكتب المنزّلة وعدة الخلفاء إلى حين استفتاح الأندلس، وما وجد فيها من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد والأمتعة وما أخرج منها، وعدة ملوكها ومَن وليّها ومَن يليها وذكر شيء من الحدثان وما يعلم منها في بعض البلدان، وكم عمر الدنيا وما مضى منها وما بقي إلى أن تقوم الساعة. تأليف الفقيه عبد الملك بن حبيب رضي الله عنه وفيه ذكر القضاة ـ قضاة قرطبة ـ لابن الحارث « .

ونجد في الورقة الأولى من هذا المخطوط بياناً بمحتوياته، ومنها يتبين أنه يبدأ بالكلام على » أوّلية خلق الدنيا « ، ويتحدث فيه عن أول ما بدأ الله به خلقه من السماوات والبحار والجبال والجنة والنار وآدم وحوّاء، ثم يحكي قصة ما جرى بينهما وبين إبليس، ثم يقصُّ سير الأنبياء؛ حتى يصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ويتكلم عن الكتب المنزَّلة، ثم يذكر سيَر الخلفاء حتى فتح الأندلس، ثم يحدثنا عما يوجد بالأندلس من الذهب والفضة واللآلئ والياقوت والزمرُّد وما إلى ذلك من الخيرات وعيون الثروة، ثم يتحدث عمَّا يُستخرج منها، ثم يقصُّ سيرَ مَن حكمها من الملوك ومَن غزاها من الفاتحين، ثم يحدثنا بما يتواتر على ألسنة الناس من الأخبار والأساطير عن كل ناحية من نواحيها. ويتحدث عما قدّر الله في علمه لهذه الدنيا من العمر، وما مرّ منه وما بقي حتى قيام الساعة. وفي آخر الكتاب فصول عن الفقه والأخلاق والآداب وطائفة من الأشعار؛ ويختم الكتاب بالكلام عن قُضاة الأندلس .

ويبدو أن ابن الحبيب نفسه لم يكتب الكتاب، أو لم يكتب جزءاً منه على أية حال؛ لأن سلسلة من أمراء الأندلس المسلمين فيه تصل إلى الأمير عبد الله، أي إلى سنة 274/ 888م. وقد توفي ابن الحبيب قبل ذلك بخمس وثلاثين سنة، والظاهر أن الذي كتب الكتاب في صورته الحالية هو ابن أبي الرقَّاع ـ وكان تلميذاً لعبد الملك يقيد سماعه ـ ثم أكمله وأضاف إليه أشياء من عنده.

وعلى الرغم من قدم هذا الكتاب، فإن قيمته التاريخية ضئيلة، وروايته لأخبار افتتاح الأندلس تطغى عليها الأساطير؛ حتى لتبدو وكأنها قصة من قصص ألف ليلة: فيذكر لنا ما رآه طارق في نومه من الرؤى، وحملتَه على بلاد تَمِيد، ويطيل في وصف حصار المسلمين لمواضع يعمرها الجن ويقومون بالدفاع عنها. ويذكر الشياطين الذين حبسهم سليمان في قماقم النحاس، ويطيل الحديث عن الكنوز التي كانت في قصر طليطلة، ويطنب في ذكر مائدة سليمان، وأساطير أخرى كثيرة يُدرجها في حديثه على أنها تاريخ. وقد درس دوزي هذه الروايات، وتبين أن ابن حبيب أخذها عن شيوخه من المصريين، وابن حبيب نفسه يؤكد ذلك في أكثر من موضع في كتابه.

وقد كان الأندلسيون الذين يفدون على المشرق للدراسة في ذلك الحين يأخذون بأقوال أساتذتهم المشارقة ويبخسون قدر ما يسمعون من أهل بلدهم أنفسهم؛ لأن أولئك الشيوخ المشارقة كانوا ينظرون إلى أهل بلد الأندلس باحتقار عظيم ويرون أنهم جهلاء أجلاف؛ بيد أن أولئك المشارقة ـ الذين أحاطوا بأحاديث الرسول وما روي عنه ـ كانوا لا يكادون يعلمون شيئاً عن افتتاح الأندلس، وكانوا يحرصون مع ذلك على أن يظهروا أمام طلبتهم بأنهم يعرفون كل شيء، ولهذا فقد كانوا يقُصُّون على أولئك الطلبة ـ إذا سألوهم عن أمر الأندلس ـ أقاصيص مصرية.

وكان أولئك الشيوخ يحسبون أن الأندلس مجمع الأعاجيب، ويتحدثون عنه على أنه بلد وُجد في بحر الظلمات، تسكنه الجن وتقوم فيه القلاع المسحورة والأصنام التي تتحرك من تلقاء نفسها، وتعيش فيه الشياطين في قماقم حبسها فيها سليمان عليه السلام.

عن تاريخ الفكر الأندلسي،

آنخل جنثالث بالنثيا،

نقله عن الإسبانية حسين مؤنس،

منشورات مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الثانية، 2008.