كان يعقوب المنصور رجلا مؤمنا، حرص على الجهاد وحاول السير على خطى الخلفاء الراشدين، وكان يؤم الناس في المساجد ويبث بنفسه في الخصومات التي تقع بين رعاياه ويراقب بدقة الأمور المالية للبلاد، وقد اكتسب تجربة في شؤون الحكم على عهد والده حيث شغل منصب وزير مابين 577هـ  و580هـ. وإذا كانت انشغالاته الكثيرة قد أجبرته على التخلي عن إمامة الناس في المساجد وعن البث شخصيا في الدعاوى المرفوعة إليه، فإنه حافظ بكل حزم على مراقبة تصرفات كبار الموظفين؛ وقام في هذا الإطار بوضع حد للكثير من التجاوزات ومعاقبة من يرتكبها، كما أصدر فتاوى صادق عليها الفقهاء.

وقد وصل حرصه على وضع حد لتجاوزات كبار الموظفين لدرجة كان يستقبل معها شهريا في العاصمة المراقبين وشيوخ القبائل، ليعرف منهم مدى احترام المسؤولين في المناطق التي قدموا منها، للقوانين ولأسعار المنتوجات الفلاحية وغيرها. وكان أول ما يقوم به أثناء الاستقبال هو طلب تقارير مفصلة عن سيرة هؤلاء المسؤولين.

من جهة أخرى، كانت رغبته في الحفاظ على سلطته الشخصية وتركها بعيدة عن أي تهديد- بعد التجربة التي تعرض لها والده بل وهو كذلك في بداية عهده-، سببا في ضربه وبصرامة على يد كل من تسول له نفسه التآمر عليه، وقد فاق في هذه الصرامة والده، ولم يتوانى من أجل ذلك في إراقة دم أخيه وعمه وفي التنكيل بأقاربه وإهانة الكثير من الذين كان يشك في إخلاصهم.

إن سيره على خطى والده وجده في الورع وإكرام أهل العلم وأولياء الله، وحمله للقب أمير المؤمنين، لم يحل دون اهتمامه بجوانب أخرى لم يولها سلفه كبير عناية؛ فقد تأثر إلى حد كبير بأدباء الأندلس وفلاسفتها، وكان هذا التأثر سببا في عدم إيمانه بعقيدة المهدي، وفي اعتباره أن التفكير الديني لجده عبد المومن، لم يكن يخلو من سذاجة مردها تسليمه بعصمة هذا الأخير. ومن الأدلة على عدم إيمانه بالعقيدة التومرتية، ما حدث عام 584هـ عند عودته من حملته على إفريقية؛ فقد كان يرافقه الغز الذين خضعوا له بقابس وقفصة، والذين قام معهم بزيارة تبركية لتنملل على غرار ما فعل والده وجده. آنذاك وبعد أن رآهم بعض المسنين المقيمين هناك، تذكروا كلام المهدي لتلاميذه عندما قال لهم إن من يعمر منهم طويلا سوف يشهد جلوس أمراء مصر تحت شجرة الخروب يستظلون بها وهم يستمعون إليه، وقد ضحك يعقوب المنصور عندها من سذاجتهم وسرعة تصديقهم. في نفس السياق، أسر هو شخصيا لفقيه أندلسية من ألمرية يدعى أبا العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف، أنه لم يؤمن أبداً بالمهدي وبعصمته، وعاب على طالب من جيان أخبره أنه درس كتب ابن تومرت وعقيدته، وقال له إنه كان أولى به أن يدرس القرآن والسنة.

لقد تعرف يعقوب المنصور وبفضل ما أخذه من علماء الأندلس، على مذهب ابن حزم الظاهري الذي أعجب به كثيرا، مثلما أعجب به في وقت ما ابن تومرت، وذلك بسبب رفض هذا المذهب للتقليد ورجوعه مباشرة للقرآن وأخذه منه أحكام الشريعة، اعتمادا على مدلوله اللغوي وليس على الرأي والقياس. لكن بخلاف ابن تومرت الذي قام بقراءة الموطأ وشرحه، واعتبر الأحاديث المروية عن الإمام مالك أهم مصادر السنة، وهو لم يجرؤ على رفضه عبد المومن ولا ابنه يوسف، خصوصا مع وعيهما بأن المذهب المالكي هو مذهب أهل المغرب بالإجماع، بخلاف ذلك أعلن يعقوب المنصور الحرب على هذا المذهب ومنع دراسة كتب الفقه والفروع، وأمر بإحراق بعضها مثل المدونة والنوادر. في المقابل، وبسبب تأثره اللامحدود بالمذهب الظاهري، اعتبر كتابات ابن حزم المرجعية الأساسية التي يجب أن يعتمدها كل علماء الدين. وقد استخرج من هذه الكتابات استنتاجات عقائدية جديدة، وحظر كل اجتهاد لا يتقيد بالمعنى الحرفي للقرآن والسنة.

وبالرغم من هذه القناعات، فإن يعقوب المنصور وحرصا منه على استقرار واستمرارية الإمبراطورية، حافظ على كل شعائر وطقوس الموحدين، وكان يذكر في رسائله الرسمية المهدي بنفس الألقاب التي كان يذكره بها والده وجده، ولن يتم التخلي عن هذا التقليد إلا على عهد ابنه المأمون، الذي لم يكتفي مثل والده بعدم تصديق عقيدة المهدي، بل عبر عن تكذيبه لها علنيا، مما كان يعني حرمان المستفيدين منها من امتيازاتهم، وهو ما جر على هذا الخليفة الكثير من المشاكل وجعله يدخل في مواجهات سياسية وخيمة العواقب.

التاريخ السياسي للإمراطورية الموحدية، المؤلف: أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة: د. عبد الواحد أكمير- منشورات الزمن، الطبعة الأولى، الرباط، 2004.