كان كتاب التراجم يحرصون عند ذكر مؤهلات مترجميهم على إتقان الخط، فينوهون بأصحابه وصاحباته، كما يشيرون أحيانا إلى ضعفه لدى بعضهم، وعلى عدم إتقانه أيضا. وقد عرفت الأندلس بانخراط النساء في النهضة العلمية وممارستهن لجميع مظاهرها من تعلم وتأليف وإبداع خطي، وكان التعليم منتشرا في صفوف نساء تسهمن في التعليم العائلي؛ فابن حزم مثلا تعلم القراءة والكتابة على أيدي نساء أسرته كما ذكر في طوق الحمامة: “وهن علمنني القرآن، وروينني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط”. وبجانب ذلك كان للنساء مساهمة فعالة في إنتاج الكتاب، فقد نقل عبد الواحد المراكشي عن المؤرخ الأندلسي ابن أبي الفياض أنه ” كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف الشريفة بالخط الكوفي”. ومع ذلك فإن المصادر المختلفة لم تحتفظ سوى بذكر قلة من النساء الخطاطات اللائي يبدو أن اهتمامهن بالخط لم يكن يقل عن اهتمام الرجال به.

ومما يؤكد على مكانة الخط في ثقافة النساء والجواري بالأندلس وإتقانهن له، إضافة إلى مؤهلات ثقافية أخرى، اتخاذ عدد من الأمراء والخلفاء لكاتبات من النساء، مثل مزن (ت358/969) التي كانت حاذقة بالكتابة ومن أخط النساء، استكتبها الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله الأموي، ولبنى بنت عبد المولى (ت374/984) استكتبها ابنه الخليفة الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن، وكان يثق فيها كثيرا حتى أسند إليها التوقيع عنه. وكتبت رقية بنت الوزير تمتم بن عامر لابنة الأمير المنذر بن محمد بقصر قرطبة، وكانت نظام كاتبة بالبلاط الأموي أيام هشام المؤيد، وغيرهن. ومن الدلالات العميقة على أهمية الخط في الأوساط الأميرية في الأندلس إطلاق عبد الرحمن اسم قلم على إحدى جواريه المتميزات بحسن الخط.

لقد كان الاهتمام بالخط يصل عند بعض النساء إلى درجة الافتخار بين بنات جنسهن بحسن خطهن، وذلك ما تعبر عنه قصة جرت لإحدى الشاعرات الأندلسيات وهي صفية بنت عبد الله الريي، التي بالرغم من اشتهارها بجودة الخط، فقد عابت امرأة خطها، فما زادت أن ردت عليها بأبيات شعرية رقيقة من شعرها تقول فيها:

وعائبة خطي فقلت لها أقصري     فسوف أريد الدر في نظم أسطري

وناديت كفي كي تجود بخطهـا      قربـت أقـلامـي ورقـي ومحبـري

فخطت بأبيـات ثلاث نظمتــها       ليبدو لها خطي وقلت لها انظري

 

كراسات أندلسية ـ 2ـ د.  محمد المغراوي، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط 2017.