… أدى مجرد ظهور قوات المرابطين على الحدود الإسلامية إلى ثقة السكان بأنفسهم، وأعطاهم لونا من الاطمئنان لم يعرفوه من قبل. وخلال مرحلة السلام هذه عاد الأندلس ثانية يستمتع بالحياة ويهتم بالحفاظ على هيبته وتأثيره الثقافي، لا فوق أرضه فحسب، وإنما في بقية مقاطعات سادته الجدد، ويومها عبر مضيق جبل طارق إلى المغرب كثيرون من الاسبانيين، واتخذوا مقامهم بجوار أمير المسلمين، وجعلوا من البلاط المرابطي  الصغير في مدينة مراكش مركزا أدبيا مرموقا، وموطنا علميا مشرقا، جديرا بأن يقارن بما كان عليه البلاط الأموي المتوهج في قرطبة العاصمة وفي عواصم الإقليم في شبه الجزيرة، خلال أيام خلت، ولم يكن أمير المرابطين يفارق، ولا للحظة، حاشيته من الكتاب والفقهاء الأندلسيين، وأصبحوا سريعا أكثر مستشاريه السياسيين نفوذا. وكان أولئك وهؤلاء دائما، وعلى الرغم من بعدهم عن وطنهم، روادا متحمسين، ودعاة نشطين للثقافة العربية الاسبانية التي ائتمنوا عليها، وكانوا خير من يمثلها.

وسرعان ما غطت هذا المشهد إطلالة قاتمة، ذلك أن الفقهاء الأسبان في بلاط المرابطين أشركوا الأمير معهم في تمسكهم التقليدي بمذهبهم الفقهي، وقد جمد كثيرا على حين كان الإسلام في المشرق ساعتها يتطور على نحو ملحوظ، متجاوزا حرفية النصوص، لا روحها، فيما يتصل بالعقيدة، وحيث نلتقي بمفكر عظيم كالإمام “الغزالي” لا يتردد أن يسمي أهم مؤلفاته “إحياء علوم الدين”، وأدت محاربة هذه الاتجاهات إلى نشأة وانتصار حركة الموحدين في وقت سريع، وقامت في أساسها على الدعوة إلى الإصلاح الديني والخلقي، وإن كانت تهدف مباشرة إلى الدفاع عن خطط وغايات ذات طابع سياسي.

الحضارة العربية في إسبانيا، ليفي بروفنسال. ترجمة الطاهر أحمد مكي. دار العلم العربي، القاهرة، 2010