وقد شهد المفكر العظيم”ابن حزم” سقوط حكم الأسرة الأموية، واتخذت من قرطبة عاصمة لها، ووجد نفسه مدعوا خلال حياته العاصفة والخصبة إلى اتخاذ موقف من هذا الصراع، ولو أن موقفه كان على نحو مختلف قليلا، فرد على النقد الذي وجهه كاتب مغربي من القيروان عاب على أهل الأندلس تقصيرهم في “تخليد أخبار علمائهم، ومآثر فضائلهم، وسير ملوكهم”، ورسم لنا “ابن حزم” في رسالته بهذه المناسبة صورة مجملة ومفيدة لمختلف ألوان الإبداع الاسباني العربي في مختلف مجالات الفكر أتى فيها على ذكر المؤلفات المهمة، وأشار في فطنة حادة إلى قيمتها، والتي اتخذ منها الأندلسيون حتى أيامه في مجال المعرفة، دينية أو دنيوية، العمد التي أقاموا عليها بناء الأدب العربي في شموخه وروعته.

كما رأينا، كان الهجوم الذي صده “ابن حزم” قادما من القيروان، وهي تجربة لا يجب أن تمر بنا ونحن غافلون؛ لأن إفريقية، أو تونس الحديثة إذا شئت، ومدنها الكبرى، لم تسع خلال العصور الوسطى إلى توثيق علاقتها الثقافية المشتركة مع أقصى الغرب الإسلامي؛ أعني المغرب واسبانيا؛ لأنها أقرب إلى المشرق، وإلى مصر بخاصة، وظلت تولي وجهها دائما نحو المشرق، وأدارت ظهرها للغرب الإسلامي، وكان عليها أن تنتظر حتى القرن الثاني عشر لتشهد مع قيام ظروف سياسية جديدة، ظهور التقاليد الإسبانية الموحدية في أرضها، لأول مرة، وتأصلها، ثم تعمقها فيما بعد على يد الحفصيين أولا، وبهجرة أعداد كبيرة من المورسكيين إلى أرضها أخيرا، عندما طردهم من شبه جزيرة إيبريا وطنهم “فيليب الثالث” عام 1609.

 

الحضارة العربية في إسبانيا، ليفي بروفنسال. ترجمة الطاهر أحمد مكي. دار العلم العربي، القاهرة، 2010