تشير المصادر الى تنوع أنشطة الحرفيين في هذه الحقبة؛ فهناك الحداد، والخياط،  والحائك، والخراز، والنجار، والصيقل، وصانع أغمدة السيوف السكاكين، والصائغ والحلاج، فضلا عن اللباد والسجاج والصباغ وصانع الأقراق والقوادم وغير ذلك من الحرف التي ذكرها ابن عبدون والسقطي بكثير من التفاصيل، وكلها تدخل فيما يسميه بن خلدون ب”المعاش الضروري”.

وفي قطاع البناء والتجهيز، لعب البناؤون دورا أساسيا في بناء العاصمة (مراكش) بما حوته من مساجد وحصون، كما ساهموا في بناء مدن وقلاع أخرى في مختلف نواحي المغرب والأندلس. وجرت العادة أن يتجمع البناءون في “الموقف” لانتظار من يستأجرهم ويبدأ عملهم من بزوغ الشمس إلى نصف المدة الزمنية الممتدة بين العصر والمغرب، وإذا أخطأوا في البناء ألزموا بهدم ما بنوه وتعويض قيمة ما أتلفوه من جير وغيره من مواد البناء.

ويستشف من بعض النصوص أن وضعية الحرفيين كانت أحسن حالا في المرحلة الأولى من الحكم المرابطي بفضل الأمن الذي عم المغرب الأقصى والأندلس، وحاجة الدولة إلى الصناعات الحربية. لكن ذلك لا يعني أنهم لاقوا التشجيع والحماية من طرف الأمراء المرابطين كما ذهب الى ذلك بعض الدارسين.

مع ذلك، من الإنصاف القول إن السلطة المرابطية خصصت لأصحاب الصنعة الواحدة حيا خاصا، فضلا عن “أمين” جعلته على رأس كل حرفة حددت مهمته في السهر على مصلحة الحرفيين، والحسم في الخلافات الواقعة بينهم. ورغم أنهم عاشوا تحت رحمة أرباب المهن المالكين لوسائل الإنتاج من أرحاء ومعادن ومعاصر، فإنهم لم يتعرضوا لاستغلال بشع بحكم الوضع الطبقي لرب المصنع، إذ ظل الطرفان معا يتعرضان لجشع السلطة التي أثقلتهم بالضرائب. لذلك غالبا ما ظلت العلاقة بين رب الحرفة والمتعلم، علاقة تعاضد وتماسك أكثر مما هي علاقة استغلال باستثناء بعض الحالات.

وجرت العادة أحيانا أن يمضي الجانبان عقدا يذكر فيه العمل الذي يقوم به المستأجر لصالح رب الصنعة، والآلة التي يستخدمها، مع الواجب الذي يؤديه له. وفيه يتعهد بالاجتهاد فيما يتولاه، وأداء الأمانة، وإن مرض المتعلم لم تنفسخ إجارته إلا إذا كانا قد اتفقا على ذلك في العقد.

وكان الحرفي “المتعلم” يبدأ في تعلم الصنعة منذ الصغر. فأبو العباس السبتي أخذته أمه وهو صبي الى معلم الحياكة لتعليمه الحرفة، وذلك في السنين الأخيرة من العصر المرابطي. كما شاهد السقطي بأم عينيه الأطفال الصغار وهم يشتغلون في الأراحي…

وغني عن القول إن الأبناء ورثوا الحرف عن آبائهم… وقد عكست أمثال العامة هذه الظاهرة، فحضت على التمسك بحرفة الآباء ولو كانت حقيرة. لذلك لا عجب أن سمي بعض الأشخاص بأسماء الحرف التي زاولوها أو مارسها آباؤهم… ويبدو أن أجورهم لم تكن كافية لسد نفقات لزوميات المعيشة، لذلك اضطروا إلى الغش والتماطل في انجاز ما وعدوا بصناعته، أو بين الجمع بين مهنتين فأكثر. كما عجزوا عن كراء الحوانيت لمزاولة حرفهم، حتى إن بعضهم اضطر إلى ممارسة حرفته داخل المنزل. وازدادت وضعيتهم سوءا في المرحلة الأخيرة من العصر المرابطي حيث لم تتح لهم الاضطرابات السياسية والفتن التي ذرت بقرنها في المغرب والأندلس ظروف السلم الملائمة للإنتاج…

مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين،  د. ابراهيم القاديري بوتشيش، دار الطليعة-بيروت – الطبعة الأولى 1998