كانت نفس يعقوب المنصور تعيش حالة صراع بين فجورها وتقواها، وهكذا ففي الوقت الذي كان يدفعها الأول لإراقة دماء كل مشكوك في إخلاصه بمن في ذلك أقرب الناس إليه. كان يدعوها الثاني إلى الإيمان والورع، بحيث أولى الخليفة اهتماما خاصا بالأعمال الخيرية وبكل ما يمكن أن يسمو بنفسه. ويشير النويري أنه وبعد أن أمر عام 584هـ بقتل أخيه وعمه، أقبل على حياة الزهد والتقشف وأصبح متواضع المأكل والملبس، أما صاحب روض القرطاس والذي يعتبر يعقوب المنصوب من أعظم خلفاء الموحدين، فيقول أن في عهده عم الأمن والاستقرار وانتشر الرخاء في ربوع الإمبراطورية، ومع تناسيه الخراب الذي جره العرب والمرابطين (بنو غانية) على إفريقية، يضيف أنه وبفضل كل ذلك، كان بإمكان المرأة أن تذهب بمفردها من نول لمطة بأقصى سوس إلى برقة في ليبيا دون أن يعترض طريقها أحد. وحسب نفس المصدر، فإن الجبايات في عصره اقتصرت على الخراج والزكاة والعشر. ويظهر أن هذا الكلام ينطوي على بعض المبالغة رغب من خلالها صاحب روض القرطاس الإشادة بيعقوب المنصور وعهده، ذلك لأننا نعلم من سجلات الحسبة التي تعود لهذه الفترة، فرض الإدارة الموحدية لجبايات غير تلك التي أوردها المصدر المذكور.

لقد كانت موارد الدولة كثيرة، وهو ما سمح بمداخيل مرتفعة جدا تم استعمالها في تمويل حملاته العسكرية بجيوشها الجرارة، وفي تشييد حي الصالحة  بمراكش، وفي الأعمال العمرانية الكبرى بالرباط وأشبيلية وحصن الفرج. ويؤكد صاحب المعجب أنه كان دائم البناء والتشييد. والحقيقة أن المساجد والمدارس والمستشفيات والقناطر وصهاريج المياه والأنزال التي شيدها صبغت العصر الموحدي ببريق خاص.

التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، المِؤلف، أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة د. عبد الواحد أكمير

منشورات الزمن، الطبعة الأولى 2004، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.