لا يقدم ابن خلدون شأنه في ذلك شأن بقية المؤرخين العرب، أسبابا لفتح المسلمين للأندلس، باستثناء الإشارة إلى قصة ابنة جوليان الأسطورية، التي تقول، بأن حاكم سبتة قد شجع على الفتح انتقاما لنفسه من لذريق ملك الأندلس، الذي اعتدى على شرف ابنته، التي كان قد أرسلها لتتعلم في بلاط طليطلة مع بنات الملك، فاغتصبها لذريق. وعندما سمع جوليان بالحادث، سارع بالسفر إلى طليطلة، وعاد بابنته إلى سبتة. وقد دفعه حقده على لدريق إلى الاتصال بالمسلمين، والتعاون معهم، وإغرائهم بالعبور إلى الأندلس. ولكن ابن خلدون، وعلى الرغم من إيراده لهذه الرواية، يتحفظ عليها بعبارة “كما زعموا”، فهو يقول: وكان بليان ينتقم على لذريق ملك القوط لعهده بالأندلس لفعلته بابنته في داره كما زعموا على عادتهم في بنات بطارقتهم، فغضب لذلك وأجاز إلى لذريق، فأخذ ابنته منه، ثم لحق بطارق، فكشف للعرب عورة القوط ودلهم على غرة فيهم، أمكنت طارقا الفرصة، فانتهزها لوقته، وأجاز البحر سنة ثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلاثمائة من العرب، واحتشد معهم من البربر زهاء عشرة آلاف، فصيرهم عسكرا…”.

وكنا نتمنى على ابن خلدون ألا يكتفي بالقول “كما زعموا” التي قالها على استحياء، إزاء هذه الرواية الأسطورية، وأن يطبق عليها أسلوب النقد الذي اقترحه على المؤرخين والمفسرين، وأئمة النقل، محذرا من: “المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط…”.

فهذه الرواية لم ينكرها المؤرخون القدامى الذين تصدوا لفتح الأندلس… وهي على الأغلب من اختراع القصاص العرب، والتي لا نستطيع الوقوف على أصلها. وحتى لو قبلناها، فلا يمكن أن تكون السبب في عبور المسلمين إلى الأندلس، فهي من “الغث” الذي كان لابد أن يفحص، وينظر إليه بعناية وحذر من قبل مؤرخ مدقق مثل ابن خلدون.

ويؤخذ على ابن خلدون أيضا عدم دقته في نسبة بعض الشخصيات المهمة إلى أصولها الصحيحة، فمثلا هو يدعو طارق بن زياد ب“الليثي”، على الرغم من إقراره بأنه مولي لموسى بن نصير. في حين أن الأدلة تؤيد بقوة على أنه كان ينتمي إلى قبيلة نفزة البربرية. كذلك ينسب طريف بن مالك إلى النخع، ويدعوه ب “النخعي”، في حين أنه، وحسب ما يقرره مؤرخ الأندلس أحمد بن محمد الرازي، أبو زرعة طريف بن مالك المعافري… ولم يكتف ابن خلدون بتغيير انتماء طريف بن مالك من معافر إلى النخاع، بل أهمل كلياً دوره في هذه الحملة الاستطلاعية التي لم يتطرق إليها في روايته، واكتفى بجعل حملته هذه جزءا من حملة طارق الأساسية، التي قاد الأخير جناحها الأيمن نحو الجبل، وقاد طريف جناحها الأيسر نحو مدينة طريف.

وإن كنا نأخذ على ابن خلدون، تساهله مع رواية ابنة جوليان في بلاط طليطلة، وعدم دقته في نسبة بعض الشخصيات المهمة إلى أصولها الصحيحة، فإننا نقدر له التزامه بعدم المبالغة في ذكر أعداد الجيوش؛ فهو من المؤرخين الذين قدموا أكثر الأرقام دقة وتواضعا بالنسبة لجيش لذريق، الذي قدره بنحو أربعين ألف رجل، في حين وصلت تقديرات مؤرخين آخرين إلى أرقام تقارب المائة ألف رجل.

مصادر في تاريخ المغرب والأندلس، الدكتور عبد الواحد دندون طه، الناشر: المدار الإسلامي- بيروت، لبنان، الطبعة الأولى- الصفحات.