يعتبر عبيد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، أول جغرافي أندلسي جليل الشأن. ولد في قرطبة سنة 432/1040 وتوفي بها سنة 487/1094، وهو من بيت شرف وإمارة، فقد كان آباؤه أصحاب ولبة وشلطيش، إذ استبدوا بأمورهما بعد سقوط الخلافة، وظلوا في إمارتهم حتى غصبهم المعتضد بن عباد ولبةَ واضطرهم إلى التنازل له عن شلطيش لقاء مال دفعه إليهم، فلجأ أبو البكري إلى قرطبة وأقام في ظل بني جهور أصحابها، وصحبه ابنه أبو عبيد ـ وكان شابّاً يافعاً ـ وهناك لقيه ابن حيان المؤرخ وتوسم فيه النجابة والاستعداد للطلب. وتوفي سنة 456/1064، فانتقل أبو عبيد إلى المرية وعرف صاحبها المعتصم محمد بن معن بن صمادح، فبعثه في مهمة إلى المعتمد بن عباد في إشبيلية، فلما استقر فيها حُبِّب إليه العيش في كنف المعتمد. ويذكر ابن بشكوال أن البكري كان يحب الكتب حبّاً جمّاً؛ حتى كان يمسكها في قماش غالٍ إكراماً لها وصيانةً؛ ويبدو أنه كان ذا هوى شديد بالشراب، فبعض أشعاره يدل على ذلك.

ويذهب دوزي إلى أن البكري أكبر جغرافي أنجبه الأندلس؛ ولم يبرح البكري الأندلس، ولهذا فإن مؤلفاته إنما هي في الواقع جمع وتصنيف من مؤلفات غيره مما لا نجده الآن. وقد أظهر البكري في تصنيفه قدرة على الترتيب والتنظيم وموهبة عالية. وأكبر كتبه المسمى “المسالك والممالك”، ولم يبقَ لنا منه إلا جزء في صفة المغرب؛ وهو يذكر فيه المسالك (الطرق) التي تؤدي من ناحية إلى ناحية، ويصف المدائن والقرى التي تربطها، ويضمِّن كلامه أخباراً غريبة نافعة. وكذلك أثنى النقاد الباحثون على كتاب البكري الآخر المسمى “معجم ما استعجم”، وممن أثنى عليه دوزي إذ يقول: “إننا بينما نجد غيره من الجغرافيين يقعون في خطأ بعد خطأ، ويناقضون أنفسهم بين موضع وموضع، إذ بنا نجد معلومات البكري واضحة ناصعة، وكتاباته توصف بعبارة واحدة: إنها صادقة”.

وقد ترامى إلى ظن المستعرب الإسباني الكبير فرانثسكو سيمونيت أن البكري لا بد أن يكون قد عرف كتاب “أصول الكلمات Etimologias” لإيزودور الإشبيلي مترجماً عن العربية؛ لأن أوصاف بعض النواحي في كتاب إيزودور تنطبق على أوصاف البكري لها. فالجزء الذي يصف فيه البكري جزائر فُرْطُناطَش Isias Fortunatas ـ المسماة بالسعادات أو جزائر كناريا ـ يبدو كأنه مأخوذ عن إيزودور. وللبكري ـ إلى جانب ذلك ـ كتب أخرى في اللغة والطب والدين، مثل “كتاب النبات”، إلا أن أغلب هذه الكتب تعتبر مفقودة اليوم.

تاريخ الفكر الأندلسي،  آنخل جنثالث بالنثيا –بتصرف-

ترجمة حسين مؤنس،

مكتبة الثقافة الدينية ـ القاهرة، 2008.