هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني (540ـ 614هـ / 1145 ـ 1217م)، من أكبر رحالة الأندلس،  أصل قومه شاطبة وَلَكِنَّه وُلد في بلنسية. درس الفقه والحديث والأدب والشعر من سن مبكرة وبرع فيها، واتصل بالموحدين وكتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد بن عبد المؤمن عاملهم على غرناطة، فاستدعاه؛ لأن يكتب عنه كتاباً وهو على شرابه، فمد إليه يده بكأس فأظهر الانقباض وقال: “يا سيدي، ما شربتها قطُّ” فقال: “والله لتشربن منها سبعاً!” فلما رأى العزيمة شرب سبعة كؤس فملأ السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصب ذلك في حجره، فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفارة شربه الحج بتلك الدنانير، ثم رغب للسيد وأعلمه أنه حلف بأيمان لا خروج له عنها أن يحج تلك السنة، فأسعفه وباع ملكاً له تزود به، وانفق تلك الدنانير في سبيل البر.

انفصل ابن جبير من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية في 578هـ/ 1183م. وركب البحر من جزيرة طريف إلى سبتة والإسكندرية، ولما كان الطريق من مصر إلى بيت المقدس في يد الصليبيين في ذلك الحين، فقد توجَّه ابن جبير إلى مصر، ومنها عبر البحر الأحمر إلى جدة، وقصد مكة وحج إلى بيت الله الحرام، وزار المدينة لقضاء العمرة. ثم توجه إلى الكوفة وبغداد والموصل وأقام فيها بعض الوقت، ثم قصد حلب ودمشق، ثم ركب البحر من عكَّا عائداً إلى الأندلس في سفينة نصرانية رست به بعض الوقت في صقلية. ووصل قرطاجنة بساحل الأندلس الشرقي في محرم 581/ أبريل 1185، ومنها إلى غرناطة. وقام ابن جبير بعد ذلك برحلتين أخريين إلى المشرق بدأ الأولى منهما في سنة 585/1189 وعاد منها سنة 587/1191، وقام بالثانية في عام 614/1217 وأدركته منيته في الإسكندرية خلال هذه الرحلة الأخيرة.

وقد سجل ابن جبير مشاهداته في “رحلته” المشهورة، وهي أشبه بيوميات سفر صاغها في أسلوب بارع، وصور فيها بكلام سهل بسيط الأحاسيس التي اختلجت في نفسه في المواضع التي زارها، أو عند مشاهدته الآثار التي رآها ، وأسلوبه سَلِسٌ جزل ينُم على موهبة أدبية أصيلة وعلى خلقه الحازم الوقور.

ومن فقراته البديعة، تلك التي يصف فيها عاصفة هبت على سفينته وكادت تغرقها على مقربة من سواحل صقلية، وإليك هذه الفقرة:

” … ونحن الآن ـ بفضل الله تعالى ـ نتطلع البُشرى بظهور بر صقلية إن شاء الله. وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه (شعبان 578) انقلبت ريح غربية، وكشف النوء من المغرب، وجاءت الريح عاصفة، فأخذت بنا جهة الشمال. وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد، والبحر قد هاج هائجه وماج مائجه، فرمى بموج كالجبال، يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عِظَمه تقلب الغصن الرطب ـ وكان كالسور علواً ـ فيرتفع له الموج ارتفاعاً يرمي في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب. فلما جنَّ الليل اشتد تلاطمه، وصكت الآذان غماغمه، واستشرى عُصوف الريح، فحُطَّت الشرع، واقتصر على الدلالين الصغار دون أنصاف الصواري ووقع اليأس من الدنيا، وودعنا الحياة بسلام. وجاءنا الموج من كل مكان، وظننا أنَّا قد أحيط بنا. فيا لها من ليلة يشيب لها سواد الذوائب، مذكورة في ليالي الشوائب، مقدمة في تعداد الحوادث والنوائب، ونحن منها في مثل ليل صَوْلٍ طَوْلٍ. فأصبحنا ولم نكد، فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا إقريطش من يسارنا وجباله قد قامت أمامنا ـ وكنَّا قد خلفناه عن يميننا ـ فأسقطتنا الريح عن مجرانا ونحن نظن أنا قد جُرناه، فسقط في أيدينا، وخالفنا المجرى المعهود الميمون، وهو أن يكون البر المذكور منَّا يميناً في استقبال صقلية فاستسلمنا للقدر، وتجرعنا غصص هذا الكدر، وقلنا: سيكون الذي قضى سخط العبد أم رضي”.

تاريخ الفكر الأندلسي، بتصرف،

آنخل جنثالث بالنثيا،

ترجمة حسين مؤنس،

مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة الثانية 2008.