ابتدأ ابن خلدون روايته عن الأندلس بالإشارة إلى موقعها بالجانب الغربي من العدوة الشمالية، من عدوة البحر الرومى، وأنها كانت تسمى عند العرب (أندلوش). ولا يشير إلى سبب هذه التسمية، التي هي من الأسماء التي أعطيت للوندال، الذين سيطروا على أجزاء من شبه الجزيرة الأيبيرية في الحقبة من 408-429م. ويقول ابن خلدون، إن هذا القطر كانت “تسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدهم وأكثرهم الجلالقة. وكان القوط قد تملكوه وغلبوا على أمرهم لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها روما ثم عقدوا معهم السلم على أن تنصرف القوط إلى الأندلس، فساروا إليها وملكوها. ..”.

ولا يوضح ابن خلدون المقصود بالجلالقة، أو القوط، أو اللطينيين. وروايته تتشابه مع ما قاله إيزيدورو الأشبيلي عن علاقة القوط باللطينيين (الرومان)، وحصارهم لرومة، ومن ثم الاتفاق على السلام الذي تم بموجبه استقرار القوط في الأندلس. ولكنه لم يوفق في تحديد المدة التي بقي فيها القوط في شبه الجزيرة الايبيرية قبل مجيء الإسلام، والتي أشار إليها بنحو أربعمائة عام؛ لأن استيطانهم في هذه البلاد بدأ فعلاً في أواخر القرن الخامس الميلادي. ومن المستبعد جدا أن يكون ابن خلدون قد اطلع على رواية إيزيدورو الأشبيلي، ولكنه بالتأكيد اعتمد في هذه المعلومات على ما نقله عن المؤرخ الأندلسي المعروف حيان بن خلف ابن حيان (ت 469هــ/1076 م) في كتابه المقتبس؛ فقد أشار إليه في حديثه عن نسب ملوك الإسبان في جليقية، ورفض روايته التي ترجع هؤلاء إلى أعقاب القوط، قائلا: “ويزعم ابن حيان أنهم من أعقاب القوط وعندي أن ذلك ليس بصحيح، فإن أمة القوط قد دثرت وغبرت وهلكت، وقل أن يرجع أمر بعد إدباره، وإنما ملك مستجد”. ولكن ابن حيان الذي كان ينقل عن “رواة العجم”، جعل مدة حكم القوط بالأندلس ثلاثمائة واثنتين وأربعين عاما. الأمر الذي يشير إلى عدم التزام ابن خلدون بما جاء عند ابن حيان. أما

مناقشته لرأي الأخير، فهي من الإيجابيات التي تحسب له في هذا النص، ولكنه لم يسر في هذا الاتجاه كثيرا…

وينفرد ابن خلدون في تفسير اسم آخر ملوك القوط “لذريق” بالقول: “وهو سمة لملوكهم كجرجير سمة ملوك صقلية”. وهو أمر جانب فيه الصواب، لأن اسم لذريق ليس سمة، أو لقباً، بل هو اسم شخصي لآخر ملوك القوط الغربيين . كذلك ينفرد بذكر علاقة القوط مع شمال إفريقيا، وأصل الكونت جوليان أو يوليان. فيشير إلى أنه كانت للقوط “خطوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية، خطوها من فرصة المجاز بطنجة، ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر، واستعبدوهم. وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمّارة، يسمى بليان، وكان يدين بطاعتهم وبملتهم”.

مصادر في تاريخ المغرب والأندلس، الأستاذ الدكتور عبد الواحد ذنون طه، الناشر: المدار الإسلامي- بيروت، لبنان.الطبعة الأولى