هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس المعروف بالشريف الإدريسي، ولد بمدينة سبتة شمال المغرب سنة (493- 564 هـ / 1099-1169م ). من أصول أندلسية عريقة، كان جده إدريس الثاني الحمودي أمير مالقة، ويبدو أنه درس في قرطبة ثم زار كثيراً من نواحي الأندلس والمغرب ومصر وآسيا الصغرى، ثم زار صقلية؛ حيث أعجب به ملكها روجر الثاني، فأقام عنده، وكان روجر من هواة علم الفلك، فوجد في الإدريسي خير معين له على إشباع رغبته من ذلك العلم.

ولما كان روجر قد رغب في أن يكون لديه كتاب في صفة الأرض، مؤلف من مشاهدة مباشرة لا مستخرج من الكتب، فقد كلف الإدريسي بوضع ذلك الكتاب، وانتدب هذا الأخير نفراً من أذكياء الرجال وبعثهم في شتى النواحي يصاحبهم الرسامون، وجعل يتلقى ما يعودون به ويسجله أولاً بأول. وفرغ من كتابه سنة 548/1154، ثم أضاف إليه أجزاءً أخرى فيما بعد وسماه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”. وقد ألَّف الإدريسي كتب أخرى من بينها “كتاب الممالك” وكتاب “الأدوية المفردة”، غير أن هذه الكتب لم تصل إلينا، وإنما ورد ذكرها في مصادر أخرى اعتمدت عليها مثل ابن سعيد وابن البيطار وابن الفدا.

وقد عُرف كتاب “نزهة المشتاق” في أوروبا منذ زمن طويل، من خلال موجز له طبع في روما سنة 1592. ثم قام اثنان من المارونيِّين هما جبريل سيونيتا ويوحنا هزرونيتا بترجمة هذا المختصر إلى اللاتينية، ونشراه في باريس سنة 1619 باسم “جغرافية النوبة Geographia Nubiensis”. وقد قام دوزي بمساعدة باحث آخر بنشر الجزء الخاص بإفريقية والأندلس من “نزهة المشتاق”، معتمداً على مخطوط بالمكتبة الوطنية في باريس؛ وأرْفَقَ النص بترجمة فرنسية عنوانها:

Description de l’Afrique et de l’Espagne (ليدن 1866)، وجعل لهذا الجزء عنواناً خاصاً هو “المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، مأخوذة من كتاب نزهة المشتاق”؛ ثم عاد المستعرب الاسباني سافييدرا فنشره نشراً مصححاً معدلاً في مدريد سنة 1881.

وقد لُقب الإدريسي ب”أسطرابون العرب”، وهو يعتبر ـ بناء على ذلك ـ أكبر جغرافي أنجبته العصور الوسطى. صحيح أننا نجد في كتابه أخطاء في حساب المسافات والأبعاد والأوصاف؛ ولكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الإدريسي كتب كتابه هذا في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي. ثم إن الكتاب حافل بالمعلومات الصحيحة في الغالب، ومادته وافرة عن البلاد الأوروبية التي تسكنها شعوب نصرانية، على أنه يضم بعض الخرافات الطريفة التي كانت منتشرة في عصره.

يبدأ الجزء الخاص بجزيرة الأندلس عنده بوضعها في الإقليم الرابع عند “البحر المظلم المحيط” ثم يستطرد إلى وصف الجزيرة، بادئاً بطليطلة التي يصفها ب:  “مركز لجميع بلاد الأندلس، وذلك أن منها إلى مدينة قرطبة بين غرب وجنوب تسع مراحل، ومنها إلى لشبونة غرباً تسع مراحل، ومن طليطلة إلى شنت ياقب على بحر الإنقليشيين تسع مراحل، ومنها إلى جاقا شرقاً تسع مراحل، ومنها إلى مدينة بلنسية بين شرق وجنوب تسع مراحل، ومنها أيضاً إلى مدينة المرية على البحر الشامي تسع مراحل”.

ويصف نفس المدينة وقت فتحها من طرف المسلمين على النحول التالي:”ومدينة طليطلة كانت في أيام الروم دار مملكتهم وموضع قصدهم، ووجد أهل الإسلام فيها عند افتتاح الأندلس زخائر كادت تفوق الوصف كثرة، منها أنه وجد بها سبعون تاجاً من الذهب مرصَّعة بالدُّر وأصناف الحجارة الثمينة، ووجد بها ألف سيف مجوهر ملكي، ووجد بها من الدر والياقوت أكيال وأوساق، ووجد بها من أنواع آنية الذهب والفضة ما لا يحيط به تحصيل، ووجد بها مائدة سليمان بن داود، وكانت فيما يذكر من زمردة، وهذه المائدة اليوم في مدينة رومة.   ولمدينة طليطلة بساتين محدقة بها وأنهار جارية مخترقة، ودواليب دائرة وجنات يانعة وفواكه عديمة المثال، لايحيط بها تكييف ولا تحصيل، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة وقلاع منيعة تكنفها…”.

تاريخ الفكر الأندلسي، بتصرف،

آنخل جنثالث بالنثيا،

ترجمة حسين مؤنس،

مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة الثانية 2008.