شكلت هذه الشريحة قطاعا عريضا من طبقة العامة لما للتجارة من فضل يضمن لصاحبه مغالبة الفقر، ومدافعة نوائب الدهر. وقد جاءت الأمثال الشعبية معبرة عن هذا الاتجاه؛ فبينت أهمية الحانوت أو الدكان في سد رمق الفرد وضمان عيشه داخل المجتمع.

ويأتي على رأس هذه الشريحة التجار الصغار الذين يبيعون السلع بالتقسيط، حاجيات السكان من مطالبهم اليومية. ومنهم من اكترى حانوتا بإحدى القيساريات أو في الأسواق العمومية. وفي هذه الحوانيت، استقر معظم الباعة الذين تصدت لذكرهم مصادر الحقبة موضع الدراسة، فعرضت لبائعي اللحوم، وبينت ما فرض عليهم المحتسب من شروط بدعوى الغش والتحايل، ثم بائعي الحوت (السمك)، إذ يذكر ابن الزيات في إحدى تراجمه أحمد الحوات الذي نسب إلى حرفته، فضلا عن العطارين والعشابين، والصيادلة، وبائعي الأطباق والقدور، وبائعي الحطب، والجير والفحم والقفافين والخبازين، ناهيك عن باعة الخمور والخدم والعبيد. وهناك من انتصب في دكانه لبيع الأطعمة للناس كبائعي الإسفنج والهريسة، وهم الذين يسميهم الإدريسي “بالدخانيين”، وبائعي الحوت المقلي أو المطبوخ وسائر المأكولات الأخرى. هذا فضلا عن أصناف من الباعة الآخرين ممن شملت ذكرهم جميعا كتب الحسبة.

ربما أن ثمن كراء الحانوت كان مرتفعا حيث بلغ أحيانا 60 دينارا، فإن أكثر الباعة آثروا كسب رزقهم عن طريق بيع السلع متجولين في الطرقات والأماكن العمومية غير مكترثين بمطاردة أعوان المحتسب الذي منعهم من الجلوس في الطرقات الضيقة.

ومما يسترعي الانتباه أن الكثيرين من الباعة نهجوا أسلوب الغش والتحايل. وقد تعرضت كتب الحسبة لكل أشكال الخداع والتمويه التي حاولوا بها خداع المشتري. وكان باعة الخدم والعبيد أكثر التجار تحايلا وخداعا للزبناء.

في هذا السياق، يأتي دور الدلال الذي مارس “التحايل المشروع” بفضل حنكته ومهارته ومعرفته العميقة بأحوال السوق والتجار، إذ كان يدل البائع على المشتري، والمشتري على البائع، ويزين السلعة لبعضهما البعض، ويقوم بعمل الشراء مقابل الحصول على أجرة قد نصف السلعة أحيانا. وقد ورد في إحدى النوازل مسألة الأجرة التي كان يتقاضاها مقابل بيع سلعة من السلع.

ولم يقل دور “الأمينة” أهمية عن دور الدلال، إذ إنها اشتهرت بمكرها وخداعها لكل من رام شراء عبد أو جارية، فتتقاضى أجرة من المشتري، وأخرى من البائع.

وتكشف نوازل الفترة مدار البحث عن مضايقة السلطة للتجار الصغار. فقد وجه الأمر بهدم بعض حوانيت تجار أشبيلية بدعوى أنها مجاورة للمسجد، ويكثر فيها اللغط والكلام الفاحش. كما تم تسعير السلع غير المأكولة التي يبيعها العطارون كالحناء والفلفل وأشباه ذلك. ومنع بائعو اللحم والسمك من الحصول على الربح الكثير. وفي هذا الصدد يقول ابن عبدون: “يجب ألا يترك البائعون للحم والحوت وغير ذلك أن يربحوا ربحا كثيرا”، فضلا عما تعرض له الباعة المتجولون من مضايقات.

مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين، إبراهيم القادري بوتشيش، منشورات دار الطليعة- بيروت، الطبعة الأولى 1998.