خلف الحكم الأول ابنه عبد الرحمن بعهد منه، وجرى انتقال السلطة يوم الخميس في (26 ذي الحجة 206 هـ/ 22 أيار 822 م)، في جو هادئ لم تعكِّره المنافسات العائلية ولا الحركات الثورية الخطيرة التي أحاطت بالعهد السابق، وهو أول أمير أموي يعتلي السلطة في هذا الجو، الأمر الذي أُتيح لعهده الطويل أن يشكل انطلاقة جدِّية لحضارة ساطعة ومتفوقة.

يُكنى عبد الرحمن الثاني بأبي المطرف، وأمه جارية تدعى حلاوة، ويذكره المؤرخون باسم الأمير عبد الرحمن الأوسط، نظراً لأن الأول كان عبد الرحمن الداخل، والثالث عبد الرحمن الناصر.

يختلف هذا الأمير الأموي عن والده في كثير من الصفات، فهو أقل تمسكاً بنظرية الحكم المطلق، وبالتالي فإن خلفيته الدينية كانت ظاهرة في أجواء مجالسه وبين رواده من الفقهاء ورجال الدين الذين كانوا مغيَّبين في عهد والده، كما كانت لشخصيته الإدارية والسياسية ملامح خاصة انعكست على الأندلس أكثر من ثلاثين عاماً، ولعل أبرزها ثقافته الأدبية والفقهية الواسعة، وما تتمتع به من إحساس مرهف وذوق اجتماعي رفيع ونشاط عمراني لافت، ستكون طابع المرحلة التي عاش في ظلها وعنوانها الرئيس، حيث اختمرت بذور التحول الحضاري الساطع في الأندلس بخصائص جديدة تُعدُّ بداية الانتقال الحقيقي إلى وضع الدولة كمؤسسة إدارية وثقافية وعسكرية.

لقد قرَّب عبد الرحمن الثاني رجال الدين والأدب والعلم والموسيقى، أمثال يحيى بن الحكم الغزال وعباس بن فرناس، والشعراء، أمثال عباس بن ناصح وعبد الله بن الشمر، والموسيقيين أمثال علي بن نافع الملقب بزرياب، الذي قدم من بغداد حاملاً معه فنون الشرق الموسيقية.

يمثل عهد عبد الرحمن الثاني نقلة حضارية نوعية ومرحلة هامة من مراحل الانصهار الاجتماعي بين مختلف العناصر العربية والمستعربة، الأمر الذي جعل المؤرخين يسمون عهده “بأيام العروس”، ويدعونه من أسعد العهود التي عاش في ظلها أهل الأندلس خلال حكم الإمارة الأموية.

كان الأمير الأموي كلفاً بالنساء، وعامل جاريته طروب معاملة خاصة حتى أنها أصبحت تبرم الأمور، فلا يُردُّ شيئاً مما تبرمه، وحظيت عنده وأصبحت أم ولد، فولدت له عبد الله. وهناك جوارٍ أُخر حظين عنده، منهن مدثرة التي أعتقها وتزوجها، والسناء، وقلم، الأديبة والشاعرة وحافظة الأخبار.

وقد واجه عبد الرحمن الثاني، على غرار الأمراء الثلاثة الذين سبقوه، الثورات والفتن التي تهدف إلى الإطاحة بالحكم، ولكن عهده اتَّسم بالخفوت النسبي لهذه المظاهر، ولا يمكن مقارنة ما شهده عهده بعهود أسلافه الذين حفلت أعوام حكمهم بأخبار الثورات العنيفة التي ظهرت في كل مكان من أرض الأندلس.

ومهما يكن من أمر، فقد حاول الأمير عبد الله المعروف بالبلنسي، الخروج على طاعة عبد الرحمن الثاني مستغلاً فرصة التغيير في الحكم، واستولى على تدمير، الواقعة في إقليم مرسية، على الرغم من التجارب الفاشلة من تكرار المحاولة، وشيخوخته المنهكة بثقل السنين، ثم خرج منها متوجهاً إلى قرطبة للإطاحة بالأمير عبدالرحمن، فتجهَّز له هذا الأخير واستعد لقتاله.

ويبدو أنه رأى نفسه عاجزاً عن المواجهة المباشرة مع الأمير الأموي، ففضَّل العودة إلى بلنسية تحت وطأة المرض ليفارق الحياة بعد ذلك في عام (208 هـ/ 823 م)، فأراح القدر، بذلك، عبد الرحمن الثاني من هذا الخصم التقليدي في الأسرة الحاكمة، بدون عناء، ونقل أفراد عائلته إلى قرطبة ليكونوا تحت رقابته المباشرة كي لا يُفكِّر أحد منهم بالخروج عن طاعته.

ظلت تدمير، بعد موت عبد الله البلنسي، مسرحاً للعنف القبلي بضعة أعوام أخرى، إذ نشبت فيها حرب شرسة بين العرب اتخذت بُعداً قبلياً لأول مرة منذ تأسيس الإمارة الأموية. والواقع أن عبد الرحمن الداخل قد استفاد من تجارب أسلافه الأمويين في المشرق، فتجنَّب انتهاج نهجهم السياسي غير المتوازن الذي أدَّى إلى تعميق الخلافات العربية، وتفجير الحساسيات القديمة بين القبائل، وجنَّب دولته ذلك الصراع التقليدي العنيف بين القيسيين واليمنيين، لكنه لم ينجح في استئصال بذور الخلافات بينهما التي كانت خابية كالنار تحت الرماد، وكان أي حادث بين الطرفين، مهما كان بسيطاً، كافياً لإثارة كوامن الأحقاد وتفجير الموقف من جديد.

وهكذا عادت الحزبية لتنفجر في عام (207 هـ/ 822 م) لسبب يتسم بالصبيانية، أساسه خلاف بسيط بين رجلين أحدهما يمني والآخر قيسي، إذ أقدم الثاني على قطف ورقة كرمة من أحد البساتين الخاصة العائدة لأحد اليمنيين، وقد كلَّفت هذه الفعلة التافهة حياة القيسي، وأدَّت إلى نشوب حرب بين الطرفين.

الواضح أن هذا السبب يشكل الشرارة التي أطلقت الخلافات من النفوس، إذ إن القلوب كانت مليئة بطبيعتها، وكان كل طرف يترقَّب ارتكاب أي هفوة من قِبل الطرف الآخر كي يستغلها ويصطدم به.

ومهما يكن من أمر، ما إن علم عبد الرحمن الثاني بنشوب الصراع الحزبي بين العرب في تدمير حتى بذل جهده لإطفائه، فأرسل أحد قادته، على رأس جيش إلى هناك لتهدئة الوضع وعيَّنه حاكماً على المنطقة.

عدَّت بعض القبائل المتصارعة هذا الإجراء تدخلاً في شؤونها، فقاتلت الجيش الأموي، واشتبكت معه في معركة قرب مدينة لورقة، عُرفت باسم معركة المسارة، لم تؤدِّ إلى نتيجة حاسمة، ومني القائد الأموي بالفشل على الرغم من الشدَّة التي عامل بها المتحاربين، وعاد إلى قرطبة.

وبعد مرور عامين، أي في عام (209 هـ/ 824 م)، رأى عبد الرحمن الثاني ضرورة إرسال جيش آخر إلى تدمير بفعل إستمرار الصراعات بين الحزبين القيسي واليمني، على الرغم من حسم الصراع فيها لمصلحة الحزب اليمني، حيث تولى زعيمه محمد بن إبراهيم، المعروف بأبي الشماخ، زمام السلطة.

وهكذا تكررت محاولة الحكومة المركزية، فقاد أمية بن هشام جيشاً أموياً إلى تلك المنطقة لاستئصال بذور الخلاف، فتصدَّى له الحزب اليمني، وجرت بين الطرفين معركة شبيهة بمعركة المسارة المذكورة، قُتل فيها عدد من المسلمين وانتهت بدون حسم مسألة الصراع.

كانت إلُّو، عاصمة المقاطعة، مصدراً للدسائس والمناوأة الدائمة ضد الأمير عبدالرحمن الثاني، فما كان منه إلا أن أمر بتدميرها في عام (210 هـ/ 825 م) وبنى مكانها مدينة جديدة هي مرسية التي أضحت، من تلك اللحظة، مقر إقامة الوالي، كما أضحت، فيما بعد، إقليماً يحمل الاسم نفسه.

كان من المتوقع أن تؤدي تلك الإجراءات إلى القضاء نهائياً على الفتنة، لكن ذلك لم يحصل، إذ إن القضاء النهائي لم يتم إلا في عام (213 هـ/ 828 م) حين حاصرت القوات الأموية قلاع اليمنيين وأجبرتهم على طلب الأمان. وخضع أبو الشماخ للحكومة المركزية، وأضحى هذا الزعيم اليمني واحداً من الولاة الذين اعتمدت عليهم قرطبة ووثقت بهم.

تاريخ المسلمين في الأندلس، بتصرف،

محمد سهيل طقوش،

دار النفائس ، بيروت، الطبعة الثانية 1429.