ظهر هذا النوع من النثر خلال فترة الخلافة في صورتين، أو تمثل حينذاك في فرعين، الفرع الأول:  التاريخ الأدبي، والفرع الثاني: التأليف الأدبي. أما الفرع الأول، فكان تاريخا ساذجا بطبيعة الحال؛ فهو مزيج من التراجم، والأخبار، والمختارات، والحديث عن الشعر والشعراء. ومن أمثلة ذلك ما ألفه عثمان بن ربيعة القرطبي باسم “طبقات الشعراء بالأندلس”. وما ألفه محمد ابن هشام المرواني باسم “أخبار الشعراء بالأندلس”. ثم ما ألفه عبد الله بن محمد بن مغيث بعنوان “شعر الخلفاء من بني أمية”. وأخيرا ما ألفه أبو عمر أحمد بن فرج الجياني بعنوان “الحدائق”. وقد ألف الجياني هذا الكتاب للحكم المستنصر، وأودعه مختارات من أشعار الأندلسيين في الحب، معارضا بذالك كتاب الزهرة لابن داوود الأصبهاني. وقد تضمن هذا الكتاب بالإضافة إلى ذلك كثيرا من أخبار الشعراء الأندلسيين حتى القرن الرابع الهجري.

ومن المؤسف أن أكثر هذه المؤلفات قد ضاع، ولم يبق مما فقد إلا مقتبسات في كتب ألفت بعد ذلك. ومع ضياع أكثر هذه الكتب يلاحظ أن كتاب عثمان بن ربيعة “طبقات الشعراء بالأندلس” قد حمل الاسم الذي سبق به ابن سلام في كتابه “طبقات الشعراء”. كذلك يلاحظ أن كتاب عبد الله بن مغيث “شعر الخلفاء من بني أمية” قد عمل صاحبه ما عمله الصولي في كتابه “الأوراق” الذي تناول فيه شعر بني العباس. وأوضح من ذلك كله تأثر الأندلسيين في هذا النوع من التأليف بإخوانهم المشارقة، “كتاب الحدائق” الذي ألفه أبن فرج الجياني؛ فقد قال فيه الحميدي صاحب جذوة المقتبس: إنه عارض فيه كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داوود الأصفهاني، إلا أن أبا بكر إنما ذكر مائة باب، في باب مائة بيت، والجياني أورد مائتي باب، في كل باب مائتي بيت، ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئا.

ويستفاد من حديث الحميدي، أن الأندلسيين مع تأثرهم بالمشارقة في هذا الفرع الأدبي، كانوا يحاولون التفوق على سابقيهم المشارقة، وكانوا أحيانا يتفوقون فعلا. وهم في كل ذلك مدفوعون بروح القومية الأندلسية التي كانت تدعوهم إلى تأكيد ذواتهم وإبراز جهود بلدهم.

وأما الفرع الثاني من فرع النثر التأليفي وهو فرع التأليف الأدبي فنعنى به تأليف كتب أدب بمفهوم القرن الثالث والرابع لكلمة أدب؛ فقد كان الأدب يعني في تلك الفترة، الثقافة العربية الخالصة، التي تتمثل في كل ما يكون به التأديب والتهذيب. وعلى هذا جاء كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب الأمالي لأبي علي القالي، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني. فكلها كتب أدب بمعنى كتب ثقافة عربية خالصة، يكون بها التأديب والتهذيب والتثقيف. وقد جمعت هذه الكتب بين مختارات الشعر والنثر، وبين التاريخ والطوائف، وبين اللغة والرواية، وبين البلاغة والنقد، وما إلى ذلك من فروع الثقافة العربية الخالصة. وكانت تلك الكتب مع اشتراكها في الطابع الثقافي العام، تفتقر فيما بينها تبعا لميل صاحبها إلى فرع معين من فروع الثقافة؛ ومن هنا كان الغالب على البيان والتبيين مثلا طابع البلاغة. وعلى الكامل والأمالي طابع اللغة، وعلى الأغاني طابع التراجم والشعر الغنائي.

الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، تأليف: الدكتور أحمد هيكل، الناشر: دار المعارف بمصر- الطبعة الرابعة 1968 .