هو مؤسس الخلافة الأموية، وبفضله ارتقى حكم بني أمية من الإمارة إلى الخلافة. وقد ورث الحكم عن جده عبدالله بن محمد. أما السبب في اختياره من طرف جده، فهو أنه أظهر من الحنكة والدراية السياسية، ما لم يظهره أمير غيره. لم يعلن الخلافة لمجرد توليه الحكم، وإنما بعد مرور عشرين سنة على ذلك (سنة 929 م). ومما دفعه إلى الإقدام على هذه الخطوة، هناك أولاً نجاحه في توطيد سلطة الأمويين في الأندلس بعد القضاء على كل التمردات الداخلية، وهناك ثانياً الانتصارات الكبيرة التي حققها على ممالك النصارى في الشمال والتي بدأت تدفع له الجزية، وهناك ثالثاً تزايد خطر العبيديين الذين أسسوا أول خلافة شيعية في الإسلام، وقد بدأوا يهددون سواحل الأندلس انطلاقاً من تونس.

وفي عهد عبدالرحمن الناصر غدت قرطبة واحدة من أعظم مدن العالم، ونافست بغداد في بهائها وعظمتها، واتسعت حتى بلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، في وقت لم تكن أكبر مدن المسيحية وهي روما وباريس ولندن تتجاوز عدد ساكنتها مجتمعة 100 ألف نسمة. ومع ازدهار المدن الأندلسية في عهده ازدهرت التجارة الخارجية بشكل غير مسبوق، وأصبحت الصنائع مثل صناعة الحلي والجلود مقرونة باسم قرطبة،  لدرجة أن أحسن الجلود المصنعة التي كانت تصل إلى أوروبا المسيحية، كان مصدرها قرطبة، وهذا ما يفسر لنا كيف أن كلمة Cordonnier    (صانع الجلود بالفرنسية) مشتقة من كلمة Cordoue  ( التي تعني قرطبة بالفرنسية).

شيد عبدالرحمن الناصر مسجد قرطبة الأعظم، كما شيد مدينة الزهراء التي تعد أعظم أعماله في مجال العمارة والبناء. أما  سبب تسميتها بالزهراء حسب المقري، فهو أنه ورث مالاً كثيرًا عن جارية تحمل ذلك الاسم، فأمر أن يستخدم هذا المال في افتداء أسرى المسلمين، فلم يجدوا من يفتدوه بهذا المال. حينئذ قرر أن يشيد مدينة تحمل اسم الجارية الراحلة.  وأهم ما يوجد بمدينة الزهراء قصرًا عظيمًا كان آية في الفخامة والجلال سمّاه “قصر الخلافة”، أحاطه بالرياض الغناء والجنان الساحرة، وجعل جدرانه من الرخام المزدان بالذهب. وفي الزهراء أيضًا، شيد الناصر مسجدًا جامعًا في ثمان وأربعين يومًا فقط. كما بنى في الزهراء داراً عظيمة لصناعة الأسلحة وأخرى لصناعة الزخارف والحلي.

استطاع عبد الرحمن أن يجمع بين شخصية القائد العسكري المحنك والسياسي الفذ ورجل الدولة والإدارة اللبيب، وهي الصفات التي لم يسبق أن اجتمعت في حاكم للأندلس منذ عهد جده الأمير . ورغم شخصيته الجادة الحازمة، إلا أنه كان أديباً يهوى نظم الشعر، ويقرب ، شغوفًا باقتناء نفائس الكتب.

وصفه بأنه  “رجل أبيض حسن الوجه عظيم الجسم “. وأضاف أنه كان أشقرًا هو وكل بنيه. ومن الطرائف أن عبدالرحمن الذي كانت له ملامح أمه الرومية، لم يكن يحب كثيراً لون بشرته، وعيونه الزرقاء وشعره الأشقر، لذا كان يصبغ شعره بالأسود، ويضع الكحول في عينه، لأن مقاييس الوسامة في ذلك الزمان، كانت مقرونة بملامح الإنسان العربي ( أسمر، أسود العينين). والسبب هو أن الحضارة العربية كانت هي المتفوقة ليس فقط من الناحية العلمية وإنما من الناحية الفزيولوجية كذلك.

وقد كانت شخصية عبد الرحمن مثار إعجاب العديد من المؤرخين الغربيين، فقد وصفه قائلاً:  “إن ذلك الرجل الحكيم النابه الذي استأثر بمقاليد الحكم، وأسس وحدة الأمة ووحدة السلطة معاً، وساد بواسطة معاهداته نوعاً من التوازن السياسي، والذي اتسع تسامحه الفياض لأن يدعو إلى نصحه رجالاً من غير المسلمين، لأجدر بأن يعتبر قريناً لملوك العصر الحديث، لا خليفة من خلفاء “. أما أطرف ما ميز هذا الخليفة العظيم، فهو أنه اعترف في آخر أيامه، أنه طيلة فترة حكمه التي دامت زهاء نصف قرن، لم تتجاوز الأيام التي ذاق فيها طعم السعادة أربعة عشر يوماً.