في الشطر الأخير من إقامتي في الحمراء (1829)، غالبا ما كنت أنزل على مكتبة الجزويت في الجامعة، مستمتعا أكثر وأكثر بسجلات التاريخ الإسبانية القديمة التي وجدتها هناك مجلدة بجلد الغزال وقد استمتعت على نحو خاص بتلك التواريخ الطريفة التي تتناول العهود التي كان فيها العرب يحتفظون بموطئ قدم لهم في شبه الجزيرة، ورغم كل ما فيها من تعصب أعمى وعدم تسامح أحيانا، إلا أنها ملأى بالفصول النبيلة والعواطف الكريمة، كما يحس فيها المرء بنكهة شرقية رفيعة عبقة لا توجد في السجلات الأخرى لتاريخ شبه الجزيرة  حين كانت أوروبية خالصة – والحقيقة أن أسبانيا، حتى في الوقت الراهن، هي بلاد منفصلة، مقطوعة تاريخا، عادات، أعرافا ونمط تفكير عن بقية أوروبا. إنها بلاد رومانسية لكن ليس لرومانسيتها عاطفية الرومانسية في أوروبا المعاصرة. إنها مستمدة بصورة رئيسية من مناطق الشرق بكل ما فيها من إشراق وتألق، مستمدة من المدرسة العالية – التفكير للفروسية العربية الشرقية.

        إن فتح العرب لتلك البلاد قد حمل معه حضارة أرقى وطرازا أنبل في التفكير إلى إسبانيا القوطية، فالعرب أناس شاعريون لامعو الذكاء، سريعو البديهة، أصحاب إباء وشهامة، وحكمة وعقل، وقد تشربوا بعلوم الشرق وآدابه، وحيثما كانوا يقيمون مركز قوة ونفوذ، يصبح على الفور مركز استقطاب للمتعلمين والنابغين، كما كانوا يقومون بتشذيب وصقل الناس الذين يفتحون بلادهم، وشيئا فشيئا كان ذلك الاهتمام بالتعليم والصقل يعطيهم حقا وراثيا، على ما يبدو، في موطئ قدمهم ذاك في البلاد ولا يعود أحد ينظر إليهم غزاة دخلاء، بل جيران منافسون، وشبه الجزيرة التي مزقت إلى عدد من الدويلات المسيحية والمسلمة على السواء، ظلت على مدى قرون ساحة قتال، حيث كان فن الحرب قد أصبح شغل الرجال الرئيسي كما كان يتم بأعلى درجة من درجات الفروسية الرومانسية، ذلك أن الأرضية الأساسية من الحقد والعداء واختلاف الدين كانت شيئا فشيئا قد فقدت حدتها. والدول المجاورة، رغم اختلاف العقائد، كانت أحيانا تعقد فيما بينها التحالفات، الدفاعية منها والهجومية، بحيث كان الصليب والهلال غالبا ما يشهدان جنبا إلى جنب وهما يقاتلان ضد عدو مشترك. في أيام السلم أيضا، كان شبان الطبقة النبيلة من كلا المذهبين يلجئون إلى المدن نفسها، مسيحية كانت أم مسلمة ليلتحقوا بالمدارس التي يتعلمون فيها العلوم العسكرية، بل حتى في أيام الهدنة المؤقتة للحروب الدموية، كان المحاربون الذين عادوا لتوهم من العراك الشديد ضد بعضهم بعضا، يلقون جانبا عداواتهم ويلتقون في مبارايات ومبارزات ودية ويشاركون في الأنواع الأخرى من الاحتفالات والمهرجانات ويتبادلون المجاملات بروح نبيلة كريمة. على ذلك النحو، أصبحت الشعوب المختلفة تمتزج معا وتختلط بنوع من التواصل السلمي، وإذا كان هناك أي تنافس فإنما يكون على درجة عالية من الرقي والنبل الذي يتناسب مع روح الفارس الشهم النبيل. لهذا السبب ربما، كان المحاربون من العقيدتين المختلفتين يطمحون للتفوق بعضهم على البعض الآخر في الشهامة والمروءة كما في البسالة والأقدام. والحقيقة أن فضائل الفروسية وشمائلها كانت قد شذبت وصقلت إلى درجة بلغت أحيانا حد التقييد وصعوبة الإرضاء، لكن أحيانا أخرى كانت نبيلة ومؤثرة على نحو لا يمكن التعبير عنه. إن حوليات تلك الأيام ملأى بالأمثلة التي توضح تلك الحالة الرفيعة من الرقي والنبل والكرم الرومانسي والرفعة والتركيز على الشرف والكرامة مما ينشر الدفئ ويبعث الراحة في النفس حين يقرأه المرء. إنها موضوعات جاهزة لتكون مادة لمسرحيات وأشعار وطنية، هي التي كانت مادة رائعة لتلك الأناشيد والأغاني التي تجدونها في كل مكان في إسبانيا والتي تشكل أنفاس الحياة للشعب الإسباني، والتي استخدمت على هذا النحو لكي تمارس تأثيرها على شخصية الإنسان التي لم تستطع قرون من الانهيار والتراجع تدميرها، بحيث إن الناس، رغم عيوبهم الكثيرة، ما يزالون حتى الوقت الحاضر، وفي جوانب عديدة، أكثر شعوب أوروبا رقي عقل وكبرياء روح. صحيح أن رومانسية المشاعر مستمدة من المصادر التي ذكرت، إلا أن لها مثل كل رومانسية أخرى، تكلفاتها وتصرفاتها، إنها تجعل الاسباني في بعض الأحيان دعيا مغرورا، ميالا لأن يتجاوز، في مسائل الشرف والكرامة، حدود المنطق والعقل والأخلاق السليمة، نزاعا وسط الفقر والعوز لأن يؤثر التمسك بسلوك ̎ الفارس العظيم̎ .

        وأن ينظر بازدراء تام إلى المهن اليدوية وكل سبل كسب العيش لدى الطبقات الدنيا من الشعب، لكن نفخة الروح هذه تحديدا، وعلى الرغم من أنها تملأ دماغه زبدا وبخارا، إلا أنها ترفعه فوق كل ضعة وخسة، وعلى الرغم من أنها تبقيه في حالة من الفقر والعوز إلا أنها تحميه من الرعاعية.    

الحمراء، واشنطن ايرفينغ، ترجمة: عبد الكريم ناصيف، هاني يحيى نصري. منشورات مركز الإنماء الحضاري ،  حلب، 1996.