بعد صدور قرار منع ممارسة الشعائر المحمدية والعادات ذات الصفة الإسلامية، كانت قضية تعليم المسيحية للموريسكيين تمثل إحدى القضايا التي تركز حولها اهتمام السلطات المدنية والكنسية خلال القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، ولم يكن هناك إجماع على رأي واحد، فقد دافع البعض عن ضرورة أن تتبع سياسة التسامح حتى يتم اعتناقهم الدين الجديد، وكانوا يعتبرون الوسائل المتبعة معهم في هذا الصدد غير كافية، ولهذا كانوا يعتبرون عملية الطرد لا مبرر لها. والبعض الآخر- من بينهم الراغبون في إخضاعهم- كانوا يرون أن جهودهم التبشيرية لم تثمر عن شيء، فكانوا غير مقتنعين بعملية التعليم ولهذا كانوا من أشد المناصرين لعملية الطرد.

   يجب أن نذكر في هذا الصدد رأي خوان دي ريبيرا الذي قال عن موريسكيي إقليم فالنسيا-في تقريره المرفوع إلى فيليبي الثالث: “إنهم لا يعترفون، لا يتناولون القربان، لا يقربون الزيت المقدس، لا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون الخمر ولا يفعلون الأشياء الأخرى التي يفعلها المسيحيون”. وقد عرض الأسباب التي جعلته يشك في تحولهم الصادق إلى المسيحية فقال: “إن عدم الإخلاص العام هذا لا يرجع إلى نقص في تعليمهم العقيدة، وإنما إلى قرارهم أن يكونوا مسلمين كآبائهم وأجدادهم. إن أعضاء محاكم التفتيش يعلمون أن الموريسكيين-بعد سجنهم عامين أو ثلاثة وتعليمهم أمور العقيدة- يخرجون من السجن دون أن يعرفوا كلمة واحدة.

   في النهاية أقول إنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها ولأنهم يفتخرون بأنهم لا يفعلون شيئا له مظهر مسيحي، ويجب بأن نضع في الإعتبار جيدا أن بطيرك فالنسيا قد استنفذ كل الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تعليم الموريسكيين الديانة المسيحية، ورغم ذلك يقول: إذا قلت الحقيقة فيجب ألا نسميهم موريسكيين بل مسلمين.

   لا يمكن أن يكون نقص تعليم الدين (المسيحي) إذن هو السبب في عناد الموريسكيين. وعلى سبيل المثال سأذكر التعليمات الصادرة عن أسقف إشبيلية عام 1604م، هناك أمر بأن تسجل كل كنيسة كبيرة جميع الموريسكيين المقيمين في دائرتها وأن تعين لهم الكنيسة أو الصومعة أو المستشفى الذي يجب التوجه إليه لسماع الوعظ يوم الأحد وفي أيام الأعياد الأخرى، كما يوصى كبير القساوسة بتعيين رجل دين مناسب متخصص لإلقاء الوعظ ولتعليمهم العقيدة المسيحية ولامتحانهم في الدين. ويجب فرض غرامة قدرها ثماني عملات، ونصف ريال، على من يتغيب عن حضور الوعظ والاعتراف وتعلم الديانة المسيحية. وفي النهاية يأمر بتعيين رجل طيب ليراقب عملية التعليم الأولى لأبناء الموريسكيين من سن الخامسة إلى سن الثامنة، وأن توقع على الطفل غرامة قدرها نصف ريال عن كل يوم يتغيب فيه.

حياة الموريسكيين الدينية، بدرولونغاس، الطبعة الأولى، القاهرة 2010