ثاني اثنين أرخا لعصر بني الأحمر، فكشفا عن السلالة النصرية، حتى عصرهما الذي عاشاه جنباً إلى جنب، ولم ينل من علاقتهما الطيبة سوى التنازع على المزيد من السلطة، في دولة طالما استبد فيها الحجاب والوزراء، وانتقصوا من سلطة السلطان، فكانت نهايتهم على يدي من نازعوهم أمور المملكة، بإيعاز من صاحب سلطة قضائية أو إدارية، وهذا ما حصل بين ابن الخطيب، وبين قاضي الجماعة أبي الحسن علي النباهي الجذامي.

هو لسان الدين أبو عبد الله محمد، بن عبد الله، بن عبد الله، بن سعيد، بن علي، بن أحمد، السلماني، نسبة إلى سَلْمان؛ بقعة باليمن نزلت بها بعض القبائل القحطانية، وكانت أسرة ابن الخطيب إحدى هذه القبائل، ومن اليمن وفدت الأسرة إلى الأندلس، حيث اتخذت قرطبة مقراً لها.

ثم هاجرت الأسرة إلى طليطلة ـ كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه في مقدمة “الإحاطة” – عام 202 هـ 817م، وهو العام الذي حدثت فيه ثورة أهل الربض بقرطبة، ضد أمير الأندلس الحكم بن هشام، حيث حرض الفقهاء أهل الربض ضد الأمير، ولكن الحكم قضى على الثورة في الموقعة المشهورة ب(موقعة الربض) وشتت شمل القائمين بها، فنُفي من نفي، وشُرد من شُرد، وغادر قرطبة جمهور من المعارضين وعديد من العلماء، ومن هؤلاء أسرة ابن الخطيب، حيث قصدت طليطلة، فبقيت بها قرابة قرن ونصف، ولما أحست أسرة المترجم له بالخطر المحدق بالمدينة – حيث أصبحت هدفاً للإسبان في أواسط القرن الخامس الهجري (أوائل القرن الثاني عشر الميلادي) – بادرت بالنزوح عنها إلى لوشةمسقط رأس ابن الخطيب في 25 رجب 713 هـ (16 نوفمبر 1313م).

تربى ابن الخطيب في أسرة عرفت بالأصالة والعلم والجاه، فقد كان أبوه عبدالله من أكابر العلماء والخاصة، كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه، حيث ترجم لأبيه في كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة) فروى لنا أنه ولد في (672 هـ- 1273 م) واستقر حيناً في غرناطة، ثم عاد إلى لوشة مقر الأسرة، ثم رجع إلى غرناطة أخيراً، حيث التحق بخدمة السلطان أبي الوليد إسماعيل ملك غرناطة (713-725 هـ – 1314 – 1324 م).

وقد كانت أسرته تحمل اسم “الوزير” إلى أن جاء جده سعيد فعرفت باسم “الخطيب”.

لقد نشأ ابن الخطيب في العاصمة غرناطة، وتلقى بها دراسته، فقد كانت وقتئذ ميداناً احتشد فيه الأكابر من العلماء والأدباء، فدرس اللغة والشريعة والأدب على جماعة من أقطاب العصر، مثل “أبي عبد الله بن الفخار الألبيري” شيخ النحاة في عصره، و”أبي عبد الله بن مرزوق” فقيه المغرب الكبير” و”القاضي أبي البركات بن الحاج البلفيقي”، ودرس الأدب والشعر على الوزير “أبي عبد الله الحكيم اللخمي” وعلى الرئيس أبي الحسن على بن الجياب”، وغير هؤلاء، كما درس الطب والفلسفة على حكيم العصر وفيلسوفه الشيخ “يحيى بن هذيل”. فلا نبالغ إذن إن قلنا: أن غرناظة ـ في ذلك الوقت ـ كانت أعظم مركز للدراسات الأدبية والعلمية والإسلامية، في هذا القطر الغربي من العلم الإسلامي، وكان هذا من حظ ابن الخطيب إلى حد بعيد. وقد عرف ابن الخطيب نهاية مأساوية حيث قتل سنة 776 هـ (1373 م).

من مقدمة كتاب مِعيار الإختيار في ذكر المعاهد والدّيار للسان الدّين الخطيب، بتصرف،

محمد كمال شبانة،

مكتبة الثقافة الدينية، سنة 2002م.