رغم قلتهم، لعب الصقالبة أدوارا هامة في المجتمع الأندلسي إذ تمكن بعضهم من احتلال مكانة بين مختلف الشرائع الاجتماعية. كما استطاع بعضهم الحصول على ثروات هائلة، واحتياز العقار والاقطاعات. بل نجح البعض في تأسيس إمارات إبان عصر الطوائف، أهمها إمارة ابن مجاهد العامري، ولم يذوبوا في المجتمع، وإنما كان لهم كيانهم الخاص الذي جعل فريقا منهم يتعلق بالشعوبية مثل ابن غرسية الذي كتب رسالته المشهورة في تفضيل الصقالبة على العرب و الطعن فيهم. لذلك نقم عليهم المجتمع الأندلسي، فعبروا عما تختزنه صدورهم من مقت وعداء تجاههم عبر أمثالهم.

وخلال العصر المرابطي، يلاحظ أن كلمة “الصقالبة” اختفت من معظم المصادر التاريخية التي أصبحت تستعمل بدلها مصطلحات “الروم” و”الحشم” و”العلوج” وأحيانا الفتيان. وقد يعود هذا التغيير في المصطلح الى تغيير الجهة التي أصبحت تستقدم منها هذه القوة البشرية. فلم تعد تجلب من بلاد السلاف كما كان الحال في السابق، بل اقتصرت على الإمارات المسيحية في الأندلس، خاصة قشتالة وأرغون. ورغم ذلك فان بعض الباحثين المعاصرين استعملوا مصطلح الصقالبة.

في هذا السياق طرح أحد الدارسين إشكالية بداية دخول هؤلاء إلى المغرب والأندلس في الحقبة المرابطية، وما إذا كان ذلك قد تم في عهد يوسف بن تاشفين أم ابنه علي؛ وهي إشكالية فرضها تضارب النصوص حتى أن بعض المتخصصين وقعوا في حيرة، ولم يقطعوا بجواب نهائي، بينما جزم البعض بأنهم استقدموا في عهد يوسف بن تاشفين.

الأمر في نظري يستلزم إعادة تفحص النصوص على ضوء الهدف الكامن وراء استقدام هؤلاء الروم. صحيح أن يوسف بن تاشفين يعد أول من اشترى جملة منهم بلغت 240 فارسا حسب بعض الروايات، أو 250 حسب روايات أخرى فضلا عن بعض الجواري الروميات، لكن الهدف من هذا الشراء يكمن في تقوية شخصيته وفرض هيبته وملكه، وهو ما يفسر قول ابن عذاري: “وأركب الجميع فغلظ حجابه وعظم ملكه”. أما علي ابن يوسف فقد استعملهم في كل وظائف الدولة بما في ذلك جباية الضرائب وقيادة الجيش، حتى أن عددهم بلغ في الأندلس وحدها أربعة آلاف سنة 538 هـ. هذا ما جعل صاحب الحلل الموشية يعتبر علي بن يوسف أول من استخدمهم. وإذا أخذنا بمقولة بن خلدون بأن الدولة في مرحلة الهرم تستظهر بالجند المرتزق، أمكن فهم هذا التعارض بين النصوص وإعطاء الدليل على صحة الرأي الثاني.

مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب و الأندلس خلال عصر المرابطين، د. إبراهيم القادري بوتشيش، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى.