بحكم وجود الحروب الدائمة بين المسلمين والنصارى بالأندلس، كانت ظاهرة أسر النساء واتخاذهن جواري شائعة في المجتمعين الإسلامي والنصراني على حد سواء، ورغم أن المصادر العربية ركزت أكثر على وجود الجواري الروميات عند المسلمين فان الأسبان كانوا يأسرون هم أيضا الكثير من النساء عند اقتحامهم للمدن الأندلسية ويسترقونهن، وكانت منهن أحيانا بعض القينات كما ذكر أبو عبد الله محمد ابن الكتاني في كتابه التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، وابن بسام في الذخيرة. وكان بعض التجار اليهود يتوسطون في فداء بعض النساء الشريفات.

   على خلاف بعض النساء التي ألقت بهن الظروف إلى الأسر تستوقفنا في خضم التدخل المرابطي حالة امرأة فضلت الفرار من قرطبة والالتحاق بالنصارى وتدعى زايدة، وتعرف في المصادر الاسبانية بزايدة المسلمة (Zaida la mora)، كانت زوجة للمأمون بن المعتمد بن عباد، الذي كان واليا لوالده على قرطبة. ولما دخلها عليه المرابطون حاربهم حتى انهزم جيشه وقتل، ففرت زوجته زايدة إلى قشتالة وتنصرت ثم تزوجها الملك ألفونسو السادس أو اتخذها خليلة، وولدت له ابنه دون سانشو (Don Sancho) وتوفيت أثناء وضعه ودفنت بأحد الأديرة في شمال اسبانيا. وقتل ابنها هذا في معركة أقليش ضد المرابطين سنة501/1108 في عهد أبيه. وذكرت بعض المصادر أنها ابنة للمعتمد وأنه زوجها لملك قشتالة تقربا إليه، وهذا لم يصح، والغالب أنها أمة من أصول اسبانية، وأنها فضلت الالتحاق بقومها بعد مقتل زوجها وانتهاء ملك عائلته وانتقال أبيه أسيرا إلى مراكش، ولا تذكر لها المصادر العربية نسبا، بل وحتى اسمها فهو من أسماء الإماء.

  ويتعلق نموذج ثان بمريم بنت الوزير أبي القاسم بن رضوان بنيغش، من أصل قشتالي، كان الاسم القديم هو Venegas. تزوجها يحيى النيار قائد ألمرية في عهد السلطان أبي عبدالله  آخر ملوك الأندلس، وفي خضم السنوات الأخيرة قبيل سقوط غرناطة والتي اتسمت بضغط نفسي قوي على المسلمين فضلا عن الضغط العسكري، تنصرت مريم هذه رفقة زوجها وابنها علي ومعظم أفراد أسرتها للنجاة مما كان النصارى يتوعدون به مسلمي غرناطة، وفي مقابل هذا الموقف الضعيف كانت الحرة أم السلطان أبي عبد الله أقوى شكيمة عندما وبخت ابنها في لحظات تسليم غرناطة.

كراسات أندلسية، د. محمد المغراوي، مؤلف جماعي، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات. الرباط، 2006.