إن تاريخ قرطبة العربية، تلك المدينة القديمة هو في الحقيقة تاريخ الأمويين في الأندلس بما يحمله من الارتفاع والسقوط. ولكن قرطبة الناصر تأخذ مكانها المميز، كأعظم مدن ذلك العصر إلى جانب بغداد المدينة العباسية الشهيرة، والقسطنطينية عاصمة البيزنطيين المتألقة، حتى أنها نافست هذه الأخيرة اتساعاً واكتظاظاً بالسكان. فهذه المدينة التي انتصبت فيها معظم مداخيل الأندلس الغنية لتجعل منها نموذجاً متطوراً لمدن العصر، تستقطب نصف مليون من البشر وتزدحم بآلاف المنازل والقصور ومئات الفنادق والحمامات والمتاجر، وتخترقها الشوارع والأسواق المرصوفة، وتعج أروقة المساجد فيها بالعلماء والفقهاء وتغص بطلاب العلم، كما تجتذب قصورها أجواء الشعر والغناء والرقص، كانت الوجه الحضاري لدولة الأمويين التي بلغت ذروة تألقها في عهد الخلافة. وفي قرطبة أشد ما يثير الإعجاب في كل زمان، مسجدها العظيم الذي واكب في الحقيقة تاريخ الأمويين في الأندلس بحيث كاد يكون لكل حاكم منهم بصمته الواضحة عليه، فيصبح مع كل عهد أكثر اتساعاً وأروع جمالاً. حتى إذا كانت خلافة الناصر وابنه الحكم، بلغ أقصى امتداده إلى الجنوب فأصبح على محاذاة النهر (الوادي الكبير). ولعل المنارة المذهبة التي سُميت بمنارة الناصر (340/951) ، هي أبرز المنشآت التي أُضيفت إلى هذا المسجد، فكانت شاهقة الارتفاع وغاية في الفخامة والدقة الفنية.

ومن المؤكد أن النهضة العمرانية في قرطبة، ارتبطت إلى حد كبير بمناخ الاستقرار السياسي الذي خيم على الأندلس منذ الثلث الأول من عهد الناصر. ولقد ساهم فيها الأمراء ورجال الحكم وأصحاب الثراء من الناس، المتأثرون بالذوق الفني الذي انتقل إلى خارج القصور ليصبح طابع المدينة بصورة عامة. ولكن منجزات الخليفة عبدالرحمن الناصر في عاصمته التي ابتدأت بالمسجد ومنارته وانتهت بالسور الكبير، لم تأخذ من اهتمام المؤرخين ما يستحق أهميتها، إذ طغت عليها المدينة الجديدة التي بناها الناصر على مقربة من قرطبة وهي (الزهراء). وهي في الحقيقة توأم الخليفة الملازم له، بحيث لا يذكر أحدهما منفصلاً عن الآخر. وتعتقد الروايات التاريخية أن هذه المدينة الجديدة كانت بادرة تكريم لإحدى جارياته التي تحمل نفس الاسم. ولكن هذا الاعتقاد محاط بالشك ومن غير المقبول أن يكون سبباً لإقدام الناصر، رجل الدولة الجدي على الرضوخ لرغبة حظية عنده، ببناء مدينة خاصة لها. لا سيما وأنه نقل إليها بعض إنجازها إدارة الدولة وحاشيته ومعاونيه. ولابد أن بناء الزهراء له علاقة بالضغط البشري على عاصمة الخلافة، مما دفع إلى الخروج منها إلى سفح جبل العروس، حيث موقع الزهراء لتكون عاصمة جديدة للخليفة العظيم، تنعكس عليها ملامح العصر الذهبي للأسرة الأموية في الأندلس. فالباعث إذن وراء هذا الانجاز العمراني الضخم، كان خاضعاً لمتطلبات الدولة وسرعة نمو العاصمة، إن لم نقل استجابة لنزعة الخليفة الأرستقراطية باتخاذ مقر جديد، فيه من البهاء والفخامة ما يبتغيه طموح خليفة يؤمن بنظام الفرد والحكم المطلق إلى أبعد الحدود.

ولم تكن قرطبة زاهية فقط بمنشآتها العمرانية البديعة، المتوجة بولادة جارتها الزهراء العاثرة الحظ، بل كانت إلى جانب ذلك قمة علمية شامخة تغص مكتباتها بآلاف المخطوطات النفيسة الأصلية والمترجمة، وتعج أروقة مساجدها وقصورها بنخبة من العلماء والشعراء والمثقفين، يستهويهم المناخ الفكري الفريد في المدينة والعقلية المستنيرة والمتطورة. هذه النهضة العلمية والأدبية التي شقت طريقها في الأندلس على يد الأمير عبد الرحمن الثاني، كانت قد بلغت مرحلة من النضج والعطاء في عهد الناصر وعلى الأخص في أيام خليفته المثقف وصاحب أكبر مكتبة في ذلك الوقت (الحكم المستنصر(

 

الدَّولة العربية في إسبانيا من الفتح حتى سقوط الخلافة،

إبراهيم بيضون

دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت  1978.