يعتبر كتاب المقتبس في تاريخ الأندلس لابن حيان الأندلسي (ت 469هـ/ 1076م)، من أنفس كتب التاريخ الأندلسية، ومن أفضلها جودة و إتقانا، فهو كتاب ضخم، يقع في عشرة أجزاء، تضمنت تاريخ الأندلس منذ افتتاحها على يدي طارق بن زياد، إلى زمان المؤلف. وعلى هذا الكتاب تقوم شهرة ابن حيان، وبه عرف للناس مؤرخا بين أقرانه، بسعة إحاطته، ودقة وصفه، وأصالة رأيه، ونزاهة حكمه.

        وقد ورد اسم المقتبس في كتب التراجم والسير بأشكال عدة، فهو المقتبس في تاريخ الأندلس، وفقا للزركلي، في (الأعلام: 2/289)، وعمر كحالة في (معجم المؤلفين: 4/ 88)، و(المقتبس في تاريخ رجال الأندلس)، كما أورده فيليب حتى في (تاريخ العرب: 672)، و(المقتبس من أنباء أهل الأندلس، استنادا إلى ابن الأبار، في الحلة السيراء: 1/290).

        والجزء الذي نقدمه للقراء اليوم، يحمل اسم المقتبس في أخبار بلد الأندلس، وهو الاسم الذي وضعه ابن حيان في الصفحة الأخيرة من مخطوطة هذا الجزء الأصلية، الموجودة في مكتبة الأكاديمية التاريخية بمدريد، وبه ظهر منشورا لأول مرة في بيروت عام 1965م. وقد أبقينا هذا الاسم على حاله من دون تغيير أو تعديل، حرصا على الحقيقة العلمية، ومنعا للالتباس والتشويش.

        ولما كان هذا الكتاب جزءا من مصنف ضخم – لم يتبين لنا رقمه أو موقعه فيه – فقد خلا من مقدمة، يحدد فيها المؤلف منهجه، أو دافعه إلى تأليفه، على غرار معاصريه من الكتاب والمصنفين.

        لكن من خلال قراءتنا للكتاب، اتضح لنا الآتي:

  • امتياز أسلوب المؤلف بالسلاسة، وسهولة العبارات، ومتانة الألفاظ.
  • تجنبه استخدام المحسنات اللفظية والتنميق والتزويق.
  • حرصه على الدقة والتفصيل وحسن الإحاطة بما يورده من أخبار وروايات وأحداث.
  • التزامه بالنزاهة والأمانة في ما كان يرويه أو ينقله عن غيره من العلماء والمؤرخين.
  • حفاظه على الرصانة والاتزان في ما كان يطلقه من آراء، أو يصدره من أحكام.
  • اضطراره – تحريا للدقة – إلى التكرار في بعض مواطن الكتاب، وخصوصا في وصفه لمجالس الحكم المستنصر في المناسبات والأعياد.
  • تزيينه الكتاب ببعض القصائد التي كانت تلقى في مجالس الحكم المستنصر، في إشارة إلى اهتمام خلفاء الأندلس بالشعر والأدب، وتقريبهم لمن نبغ من الشعراء في بلادهم.
  • إيراده الأخبار مرتبة على السنين، فهو يحدد السنة، ثم يسرد ما جرى فيها من أحداث، وما ازدحم فيها من مناسبات، واحتفالات، وتعيينات، وتقلبات، وغيرها.
  • استطراده وهو يروي الأخبار إلى ذكر أحوال اجتماعية لافتة في حياة الأندلسيين، كذكره خبر الصبي المتفاوت الخلق، الذي خالف نمو جسمه وعقله ما هو مألوف في حياة البشر، وذكره تكفل الخليفة بالإنفاق عليه، وعلى ذويه.

من مقدمة كتاب المقتبس في أخبار بلد الأندلس، لابن حيان. الدكتور صلاح الدين الهواري، منشورات المكتبة العصرية، القاهرة 2006.