قال الغساني الأندلسي: ومدينة قرطبة هي مدينة كبيرة حاضرة من حواضر العودة، وهي دار ملك قديم، فيها كان سكنى ولاة الأندلس قبل دخول عبد الرحمن بن معاوية، وسنة ثمان وستين ومائة انتقل عبد الرحمان من الرصافة، إذ كان سكناه بها، إلى قرطبة وجعلها مقر ملكه وسرير سلطنته وخلافته، إذ بها كان سكنى ملوك بني أمية من عهد عبد الرحمن الداخل وغيره ممن كان قبله ومن ولي من بعده من خلفه.

والمدينة في سفح جبل يسمى سير مرينة وهي على ضفة الوادي المسمى بالوادي الكبير الذي ينحدر من جبال بياسة وجبال جيان وغيرها، والنصارى يسمونه باسمه المعهود في عهد المسلمين، وهذا الوادي هو أكبر أودية الأندلس كلها وبه يجتمع سائرها، وهو الذي يمر بإشبيلية وينحدر إلى البحر عند مدينة سان لوكار. وبخارج مدينة قرطبة من البساتين والجنات وأنواع الكروم ما لا يحصى.

وحين قربنا من المدينة برز أهلها للملاقاة وبرز من بها من الأسارى وهم يعلون بلفظ الشهادة ويدعون بالنصر لسيدنا المنصور بالله تعالى، وصبيان النصارى يقولون مثل قول الأسارى. ولما دخلنا المدينة رأيناها مدينة كبيرة عامرة مشحونة بأنواع الحرف والصنائع وأكثر باعتها نساء، فقصدنا دار حاكمها.

ومن الغد خرجنا منها بعد أن عبرنا مسجدها الأعظم الذكر البعيد الصيت، وهو مسجد كبير جدا وفي غاية الإتقان وحسن البناء، وبداخله ألف وثلاثمائة وستون سارية كلها من الرخام الأبيض، بين كل ساريتين قوس من فوقه قوس آخر، وله من الأبواب الآن أربعة عشر بابا، وقد سد كثير من الأبواب وغيرها، ومحرابه الإسلامي باق على حاله لم يغير ولم يحدث فيه شيء، إلا أنهم جعلوا عليه شباكا من نحاس وطرحوا أمامه صليبا، فلم يدخل إليه أحدهم إلا قيم ذلك الصليب، ولم يزد بداخله ولا بحائطه شيء قليل ولا كثيرا. ولهذا المسجد صحن كبير مشتمل على خصة ماء في وسطه ويدور بها في سائر الصحن من أشجار النارنج مائة وسبعة عشر شجرة. ويقابل موضع المحراب من الصحن منار كبير مبني كله من الحجارة إلا أنه ليس بغاية في الارتفاع كمنار طليطلة وإشبيلية، وهو مبني على باب من أبواب المسجد المقابلة لموضع العترة، ومازالت سقف هذا المسجد وأبوابه باقية على حالها لم يحدث بها شيء إلا ما تدعو الضرورة إليه من إصلاح السقف الذي يتداعى إلى السقوط وشبه ذلك.

وقد أحدث النصارى بوسط هذا المسجد مقابلا لمحرابه قبة كبيرة مربعة مشبكة بشبابيك من نحاس أصفر، جعلوا داخل هذه القبة صليبا من صلبانهم وكتب صلواتهم التي يحضرونها مع الموسيقى وشبهها. وأبواب هذا المسجد باقية على حالها من البناء الأول والنقش بالكتابة العربية.

وهذا المسجد هو من أكبر مساجد الدنيا وأعظمها صيتا، ففي سنة تسعة وتسعين ومائة، ابتاع الإمام عبد الرحمن الداخل موضع الجامع بقرطبة من نصارى الذمة، وكان بالموضع المذكور كنيسة قديمة فاشتراه بمائة ألف دينار وزاده في ساحة المسجد. وفي سنة (فراغ مقدار كلمة) ومائة أسس الإمام الجامع بقرطبة وأخذ في بنائه وإتقانه وبناه من مال الأحباس وأنفق في بنائه مائتي ألف دينار.

رحلة الوزير في افتكاك الأسير، محمد الغساني الأندلسي حققها وقدم لها: عبد الرحيم بنحادة، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي الطبعة الأولى، 2009