أثناء صعود مضن إلى تل السبيكة، كان ابن جعفر القونجي غارقا في حالة من الحيرة تلاحقه منذ أن عاد ليلة الأمس من رحلة إلى أقطار المشرق كادت تقتلعه من مسقط رأسه إلى الأبد. اقتصرت استراحة ابن جعفر على ساعتين قضاهما على تخت في فندق سوق المدينة. أيقظ حاجب مولانا الحاج العائد فجرا ليقوده إلى حضرة أمير المسلمين. بعد ثلاثة عقود ونيف من الغياب، لم يعد ذلك الشاب الذي غادر يوما إقليم غرناطة بحثا عن عين الشمس والبهاء وربما هاربا من تفاهة السلطات وتعسف تصرفاتها. الآن، وهو يمتطي بغلة حاجب السلطان في اتجاه السبيكة، يشعر بأن العالم من حوله أشد غرابة مما كان في أي وقت مضى. ما جدوى العودة إلى مدينة تغيرت إلى حضرة تفور في أحيائها  الضيقة المسوّرة أسراب هائلة من الأرواح أتت من كل أنحاء المعمورة فارّة من الوباء الأسود اللعين الذي امتد ظله في الآونة الأخيرة كذلك إلى معقل بني نصر، حسبما أخبر عنه القونجي في إفريقيا لحظة ركوبه البحر نحو الأندلس؟ ما أتعس الإنسان الذي لا يتحرر من الحنين الدائم إلى الأصل والجذور ! أذهلته الحركة الجنونية التي عمت مدينته القديمة، فبالإضافة إلى ذهاب وإياب الناس في الأسواق، وهرولة الرجال والنساء والأطفال، نقلا للمرضى إلى البمارستانات والبيوت في حالة استنفار قصوى تم الإعلان عنها في المملكة كلها لمواجهة الوباء، تهب أفواج غير معهودة من الجنود والرجال المسلحين في كل زوايا غرناطة. فاجأه أيضاً انتشار أعمال البناء في المدينة، لاسيما في السبيكة التي لا يعرف لها منذ شبابه إلا بروج القصبة وأسوارها وبعض المباني اللاحقة المتواضعة.

في هذا الصباح البارد، باغته تراكم البروج المرتفعة في نقاء السماء، وخالج قلبه إحساس يتضارب فيه التخوف والاعتزاز، بما يومئ إلى عظمة مدينته الصغيرة التي كانت قد استنزفت نفسها في أوحال الفتنة مرارا. توقفت البغلة لاسترداد الأنفاس في عتبة باب الشريعة، واختلس راكبها العجوز نظرة تعجب واندهاش إلى المبنى. ينبس حاجب جلالة مولانا بكلمة لأول مرة: “نستعجل في استكمال البوابة العظيمة، للاحتفاء بديانتنا المجيدة في عيد مولد النبي- صلى الله عليه وسلم- الوشيك”. تمادى القونجي في مطالعة الكتابة المنحوتة بخط عربي أنيق على ثلاثة لوائح رخامية عريضة، بينما عكف ثلاث عمال على تعليقها في المدخل، على مقربة من صورتي الكفّ والمفتاح المنقوشتين فوق قوسي الباب حماية للمكان وتقديساً له :

“أمر ببناء هذا الباب المسمى باب الشريعة أسعد الله به شريعة الإسلام، كما جعله فخراً باقياً على الأيام، مولانا أمير المسلمين السلطان المجاهد العادل أبو الحجاج يوسف، ابن مولانا السلطان المجاهد المقدّس أبي الوليد بن نصر، كافأ الله في الإسلام صنائعه الزكية، وتقبّل أعماله الجهادية، فتيسّر ذلك في شهر المولد المعظم من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، جعله الله عدة واقية، وكتبه في الأعمال الصالحة الباقية”.

ما أن استأنف القونجي سيره على ظهر بغلة الحاجب لولوج الباب، حتى التقى نظره بنظر رجل قصير القامة، يشابهه في العمر والملامح، ألهى للتوّ عن منح التعليمات لصناع الكتابة ليقبّل قدمي الحاج العائد والدموع تذرف من عينيه :

- أأنت حقا؟ أأنت أبو عبد الله بن جعفر زاهد قونجة من إقليم غرناطة ؟ أيها الأخ الشارد، لقد نفد صبري في رؤيتك ثانية قبل مبارحتي هذه الدنيا.

ضم ابن جعفر الرجل بشدة ومضيا على رجليهما إلى بلاط الحمراء. ذكريات طفولة ومراهقة مشتركة في الكتاب والأرياف وأزقة المدينة تهتاج في قلبيهما. أعلم القونجي قرينه العزيز، رضوان المهندس، بإيجاز لم يعتد عليه في أيامهما، أن الله تعالى سمح له بأداء فريضة الحج، وأن القدر كتب له إقامة هادئة ومثمرة في الشام ومصر حيث قرأ لكبار مشيخة العهد، أمثال تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري، وأنه أصبح بستانياً لكسب رزق زوجة وابنة وعبادة البارئ تأملا بعجائب خلقه.

ودّع الحاجب زاهدنا القونجي قدام فتحة مقوسة اختفى فيها المهندس رضوان بانحناءة خفيفة: “سأعود إليك بعد صلاة الظهر، لأجعلك تمثل بين يدي مولانا نصره الله”، قال رسول السلطان للضيف العجوز. هزّ القونجي الرأس إيجابا ومودّعا، ودخل بيت المهندس الواقع بين المدينة التي نشأت في هضبة السبيكة وبين القصر الملكي الجديد قيد البناء. تعجب القونجي حالاً من المشهد في الداخل تعجباً شديداً : مئات الرسوم والتخطيطات الهندسية من كل الأنواع والأحجام تشغل الحيطان، ومصطبة طويلة في قاعة واسعة تضيئها شبابيك عالية رقيقة.

- أما تزال أيها الرفيق المسكين هائماً في ألاعيب الألوان والأشكال !؟

صاح القونجي بلطف وهو يشاهد مجدداً، بعد مدة تعادل عمراً، ذلك البريق الناجم عن عيني صاحبه في لحظات السعادة والإبداع. تسرّع المهندس في إظهار تصاميمه الأخيرة للرفيق الضال: سلسلة من النجوم الهندسية تمثل السماوات السبع المذكورة في الكتاب الكريم، مرسومة لصناعة القبة الخشبية العليا في قاعة عرش مولانا أبي الحجاج يوسف أمير المسلمين. كان رضوان مهووساً فعلاً بالفكرة. جعل يمدد ورقة بعد أخرى أمام عيني ابن جعفر، واستغرق في الكلام قبل أن يكمل قرينه العائد رواية رحلته إلى الشرق :

- يا أخي الزاهد الحاج، دأبت طوال العمر، وأنت تعلم، دأبت من أجل استخراج أروع الصور الكامنة في خلق عز وجلّ. وبمقدوري اليوم أن أعلن لك أنني بلغت الغاية التي طالما حلمت بها. لقد ترحم علي تعالى بمعاني إلهامه الرقيقة. لاحظ ! في بدء الأمر، رسمت الأشكال الهندسية لأنجم السماء كلها. كادت هذه المهمة أن تودي بحياتي. لمعلمينا خبرة طويلة في صناعة الهندسة، ولم يعد الكشف عن تشكلات هندسية جديدة معتدلة ومتناسبة وجميلة أمراً يسيراً على الإطلاق. أنظر يا أخي: لأول مرة تجرأت على تخطيط صورة هندسية متكاملة اعتمادا على أنماط نجمية ذات زوايا مختلفة. رسمت أنجماً ذات ست عشرة زاوية متنوعة التصاميم، مع أنجم ذات ثمان زوايا متباينة أشكالها أيضاً، لتصوير المقامات النجمية السبع في لوحة سماوية متناسقة وموحدة. على ما أعلم، لم يفعل هذا مهندس آخر من قبل. وأهم من ذلك، لاحظ كيف غيرت في أركان القبة الأربعة التنظيم الهندسي المفروض في علم العدد بهدف صياغة شجرة الكون  التي كان شيخنا أبو بكر محمد الرندي يحدثنا عنها في المدرسة في خصوص قوله تعالى : “كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها” “سورة ابراهيم،(الآية 26-27). إنه ابتكار من ناحيتي، اعني أنني بذلت قصارى جهدي لدمج شجرة الكون في انسجام تام، مع كافة نجوم قبة العرش هندسة وتلوينا.

تذكر ابن جعفر بحنين تلك الأيام الغابرة وتمثلت في ذهنه مخطوطة كانت بحيازة عارف من عرفاء الفرس، لاقاه القونجي بدمشق، قبل أن يسحق قلبه شوق العودة إلى ما تبقى من الأندلس. ودون أن يسمح رضوان لصاحبه بأن يسأله إن كان قد اطلع على هذه الصورة المخطوطة عن شجرة طوبى أو على صورة أخرى من هذا القبيل، أردف المهندس قائلا :

- المهم يا أخي الكريم أن مولانا أبا الحجاج يوسف إمام صالح وطلب مني اللجوء إلى نصوص الأولياء لبناء قبته العليا لتخييل سورة الملك العزيزة تخييلاً جليلاً. إنه صاحب الفكرة مثلما هو صاحب أعمارنا. نصح أيضا جلالته بتتويج سمائه الخشبية بقبة صغيرة خلاصة عن القبة الكبرى شكلاً ولوناً. وهذا ما عملناه. تعال، أنظر إلى النتيجة.

أخذه المهندس إلى الحجرة المجاورة، ولم يستطع ابن جعفر كبت صرخة إعجاب صامتة حينما رمق صورة القبة مجسدة بكل رونقها في نموذج ورقي “صورة 12″ لا يبلغ المتر المربع “1.06×0.75م” على منضدة جنب سرير بائد صغير ملقى على الأرض.

- لكل لون سرّ سماوي وإشراقي خاص- تابع المهندس مندفعاً في التفسير- اخترت، اخترنا، الأبيض والأحمر والأخضر بتدرجاتها النغمية من المنير إلى القاتم وفقاً لأوصاف أهل الولاية بالجنة السماوية ومعراج النبي. كما تعلم، وتبصر، النور الإلهي يفيض في الكون مضيئاً ومحيياً كل المخلوقات. استخدمت، استخدمنا، الأبيض الصافي المشرق مرة واحدة وفي الوسط وحسب، وآثرنا الأبيض الجوزي لمراكز أنجم المرتبة الثانية تحت قمة العرش السماوي، رمزاً إلى انعكاس النور الإلهي الفائض على الدوام. مراكز النجوم الثانوية تمثل منازل السعداء، وهي بالتالي أقلّ إضاءة وأضعف إشراقاً من منزلة سبحانه وتعالى. أما أسفاط النجوم الأخرى، فقد صبغناها بثلاث نغمات من الأحمر وثلاث نغمات من الأخضر، على غرار ما جاءنا من المتألهين عن طبيعة الجنة السماوية وصورتها. إنما الخالق جلّ جلاله، كرّم هذه المواد النفيسة بفضائل النور والكمال والخير والخلود. أنت أعلم مني بأن هؤلاء العلماء أسهبوا في مقارنة منازل الجنة السماوية بالأحجار الكريمة، خصوصا اليواقيت الصفر والخضر والحمر. النتيجة مذهلة، هل توافقني؟ ولو رأيت السقف الحقيقي رهن الإتمام… ! تصور، ضلع قاعدة القبة المربعة المبنية بالخشب طوله 11.30 مترا، وعلو السقف يصل إلى 18.20 متراً ! اعلم أن قطر أكبر النجوم المصنوعة يساوي 2.50 مترا، وأن إجمالي الأسفاط الخشبية المستخدمة في تشييد القبة هو 8017 قطعة، لا أكثر ولا أقل ! أليس كل هذا التخطيط الهندسي بما يتضمنه من معان سامية وشريفة، جديراً بتزيين قاعة عرش مولانا في حضن أشمخ بروج العصر وأوسعها سمعة بارتفاع يتعدى 45 متراً !.

ابتسم ابن جعفر دون أن يلفظ ببنت شفة، بينما شلال من الآراء المتناقضة تدفق في رأسه واجتاح جسمه المسن والمنحني إلى الأرض. تذكر مطالعاته الحامية لفصول شجرة الكون والجنة والإسراء في مجلدات جمعها بعناية في شبابه الثاني بالشام. تعوّد آنذاك على ترويح نفسه والالتذاذ بتأمل النجوم والكواكب في سماء الله الشاسعة، اللامتناهية، وعلى الرغم من أنه يستحسن تلك التصاميم المثيرة والممتعة التي يتفنن في اختراعها الصناع والمهندسون، إلا أنه يعتبرها مجرد استعارة تعيسة عن علياء البارئ تعالى. خلال تأملاته الليلية الساكنة في مزرعة الشام انتابه أحياناً شوق جامح للتعبير الشعري أو الغناء أو الرقص، لكنه تحكم دوماً بزمام رغبته للاكتفاء بتجربة المشاهدة الحميمة المنفردة.

ظهر الحاجب ووضع حداً لتفكير القونجي بإشارة يد مستعجلة ملحاً على الذهاب فوراً إلى القصر الملكي. بعد قطع ساحتين، اجتاز الحاجب والزاهد الحاج الشارع الملكي وتوغلا في متاهة من الممرات الضيقة والملتوية تفصل الواحدة عن الأخرى بوابة خاضعة لحراسة مشددة. وصل الرجلان إلى ما بدا للقونجي أنه باحة رحبة قيد التشييد، وبعد عبورها وجد نفسه في قاعة لم ير لها مثيلا في حياته ضخامة وعلواً ومهابة. في الداخل انخفض ضوضاء أعمال البناء المنتشرة في كل أنحاء القصر وتل السبيكة، ولكنه بقي على مسمع من أصوات زمرة جنود قريبة وصرخات ذعر نائية عزاها ابن جعفر إلى كابوس الوباء المتفشي نحو حرم البيت الملكي ذاته. تجلى الملك في اللحظة على منصته في وسط الحائط الشمالي لقاعة العرش. حدق مولانا مليا في وجه الشيخ ابن جعفر القونجي ثم بادره بالتحية وأبدى لضيفه اهتمامه بالأمور الروحانية، اهتمام اشتد في قلبه في هذه الظروف بالغة الخطورة التي أرادها القدر للأندلس. استدعى السلطان زاهدنا القونجي لرواية العجائب التي شهدها في ترحاله الطويل، وأخبره عن حضور فئة من فقراء خراسان من بلاد الفرس في ربوع غرناطة وأن عز وجل سمح بأن يشيع التقشف والتزهد والتصوف في مملكته.

كان القونجي قد دعي غير مرة لزيارة بلاط الملوك في المغرب والمشرق، وفي مثل هذه الحالات يستولي عليه دائما إحساس غامض بالحذر والتحفظ والخيفة، ويكتسح روحه اشتياق عميق إلى بستانه في مزرعة دمشق. بعد برهة صمت قصيرة، لبّى القونجي طلب أبي الحجاج يوسف بخشوعه الدائم وباقتضاب. ما أن اختتم ابن جعفر كلامه حتى تقدم ذو الوزارتين ابن الجياب، وهو أصغر من القونجي بعشرة أعوام وتمكن من التوفيق بين الوظائف السياسية وأسفاره كتابع نشيط للناسك أبي عبد الله الساحلي المالقي، واستأذن السلطان لإنشاد القصيدة التي نظمها لنقشها في قبة العرش كي يكون زاهد قونجة العائد على علم بمقاصد أمير المسلمين النبيلة. صفّق الملك لعرض شاعر البلاط وشرع يقرأ الوزير :

هي القبة العليـا ونحن بناتهـا            ولاكن لي التفضيل والعزّ في جنسي

جوارح كنت القلبَ لاشكّ بينها                  وفي القلب تبدو قوة الـروح والنفس

وإن كان أشكالي بروج سمائها                  ففيّ عدا  ما بينها شـرف الشـمس

كساني مولاي المؤيّـد يوسف          مـلابس فخر واصطنـاع بلا لبس

وصيّرنـي كرسـي ملك مؤيّد                    علاه بحق النور والعرش والكرسي

خلال استماعه إلى صوت ابن الجياب المجلجل والمائل إلى الخشونة، رفع ابن جعفر البصر نحو القبة العليا وازداد شعوره بالهيبة إزاء عظمة المكان وجلالة أشكاله. وقع بصره على عامل كان يطلي بالأبيض أحرفاً كبيرة منحوتة في قاعدة القبة الخشبية وابتدأ القراءة، ثم استحضر الآيات الكريمة المنقوشة عن ظهر قلب : “تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور* الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور* ثم ارجع البصر كرّتين  ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير* ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين واعتدنا لهم عذاب السعير”(سورة الملك، الآيات، 1-5). تمظهرت آنئذ أمام عيني ابن جعفر نماذج رضوان الهندسية بأصباغها المشعة الساحرة وامتزجت في مخيلته بالقبة الخشبية الضخمة والشامخة التي كانت في انتظار عملية التلوين الشاقة والدقيقة “صورتا 17-18″. تبسم ابن جعفر من الداخل لأنه يعي الآن وعيا تاما إلى أي مدى تحققت الأحلام الإبداعية لصديقه رضوان، ذلك المفسر الهندسي لكتاب الله المصاب بحمى التصوير. وجّه القونجي البصر إلى الجدران علوا بهزة رأس خفيفة ووجد نفسه وجهاً لوجه أمام شعار بني الأحمر “ولا غالب إلا الله” المشكلة بحروف جبسية كبيرة. لم يرها منذ صباه، بيد أن طول العمر لم يقدر أن يمحو الذكريات المؤلمة المرتبطة بهذه الصورة الكتابية. أهبط ابن جعفر النظر قليلا واصطدمت عيناه بإعلانات ملكية أخرى بهية المظهر بل مغالية في المغزى لقلب زاهدنا الحساس : “النصر والتمكين والفتح المبين لمولانا أبي الحجاج أمير المسلمين”، “عز لمولانا السلطان الملك المجاهد أبي الحجاج عز نصره”، فحنى جسده نهائياً إلى الأسفل دون أن ينظر إلى محيا السلطان المتربّع أمامه على العرش. بعد هنيهة، انتبه أبو الحجاج يوسف إلى أعراض الإرهاق المتغلبة على بدن ضيفه العجوز وأمر الحاجب بإهدائه نسخة من الأرجوزة “كتاب إبداء الملاحة وإنهاء الرجاحة في أصول صناعة الفلاحة” “صورتا 19-20″ للشيخ الفقيه والعالم المري ابن ليون التجيبي الذي قضى نحبه في تلك الأيام من جراء الوباء، وودع الفقير القونجي بحفاوة وبدعوة للمشاركة بعد صلاة الغروب في سهرة الذكر التي ستقيمها طريقة بني سيدي بونة ليلا في موضع فناء القصر قيد البناء في عتبة برج وقبة العرش. أوضح الملك للقونجي أن طقوس هذه الطريقة القادمة من شرق الأندلس والمستقرة في حي البيازين صارت عادة في بلاطه تسبيحاً لله تعالى ولنشر الكرامات على الجميع وحماية الخاصة والعامة من مكايد الوسواس اللعين.

- سوف ننتفع نحن أيضاً من كرامات زهدك النبيل ومن خطابك الحكيم، أضاف الملك بينما كان حاجبه ينكبّ على مساعدة القونجي للوقوف ومغادرة قبة العرش.

في أصيل تلك الأمسية الغرناطية البديعة، قرر ابن جعفر مواصلة مشواره إلى قرية قونجة بإقليم غرناطة وبعث برسالة اعتذار إلى السلطان أبي الحجاج. كان القونجي يخشى أن التعب والسن والمرض وشراسة الوباء تمنعه من تحقيق غرض عودته المبهم : مشاهدة بستان صباه وتنقية الروح قبل لفظ نفسه الأخير.

انضم إلى موكب ابن جعفر المتوجه إلى إقليم غرناطة كل من رضوان المهندس والشيخ أبو البركات البلفيقي الذي قرأ له القونجي خلال إقامته بمدينة المرية قبيل الاغتراب. كان القونجي يكنّ لهما محبة خاصة ورفقتهما أفرحت انتقاله إلى الدار الحجرية القديمة التي تركها قبل عمر كامل بين أشجار الليمون والبرتقال على حافة نهر دوركر في الإقليم. بعد وصول الموكب إلى قونجة فجراً، رحّب لهأ له أل

 أهل المكان بالحاجّ وأصحابه بحرارة ورافقوهم إلى جنة ابن جعفر. الاستراحة ومشاهدة أشجار الجنة التي لازالت راسخة في ذاكرته، بالإضافة إلى سماع هدير مياه النهر، والشمس، وذلك الصفاء الأزرق في السماء، كل ذلك أعاد لزاهد الإقليم جزءاً من طاقته الطبيعية المفقودة وخاض في حوار مرح مع رفيقيه خلال النزهة التي قاموا بها في الحقول المجاورة. شهد القونجي أن الضيعة امتدت قليلاً إلى تل صخري شديد الانحدار مطل على نهر الإقليم وأن برج الطلائع وحصن دوركر قد رمما. قعدوا في ظل برج الطلائع على مرأى من أروع مناظر وادي الإقليم المزركش بالمزارع والهضاب الخضراء والضياع البيضاء الصغيرة الجاثمة في أسفل جبال شلير المتسامية إلى السماء بردائها الساطع السرمدي. بعد المشاهدة واسترجاع النفس، تابع ابن جعفر حديثه الحار مع رضوان :

- أرباب السلوك الحقيقيون هم الذين يتخذون الكتابة تجربة للحياة… السماع عندهم وسيلة للاتصال، مثلما يمارسون الشعر لإعادة خلق اللغة وإيجاد سبل جديدة للتعبير عن الذات وفنائها في المطلق.

- ألا يوجد في صنائع الرقش والتزويق والخط شيء من هذا النوع ؟ ألا نضيف جمالا إلى جمال الدنيا ؟ سأله المهندس.

-  بطبيعة الحال ! لغة الصور مرآة قابلة لكل المعاني. أنت أدرى مني بذلك. ولكن مالا يقبل به قلبي هو التفنن في الإبداع تعظيماً لملوك الزمان.

- الصانع يعمل من أجل عقيدتنا، وقوة مولانا أمير المسلمين قوة الإسلام. الأعداء في هذا الأوان كثر. وأنت أدرى مني بذلك.

- الآونة بأجمعها خاطفة، هاربة. للأسف، لا يوجد في عهدنا ولو ملك يستحق لقب أمير المسلمين.

- مولانا أبو الحجاج يوسف صالح، بل وعارف.

- قد يكون أصلح وأعرف من أجداده، لكنه فان ويتولى الحكم في الدنيا وهو بالتالي مجبر على الخطإ والظلم. ألا يتألم بنو آدم في سجون القصر؟

- الشريعة تفرض المعاقبة. إنه عادل ومبانيه يفتخر بها الإسلام كله.

- قد تكون بناياته رائعة، عجيبة، ولكن الملك علّق عليها اسمه واسم سلالته يميناً ويساراً، شمالاً وجنوباً. إنه ممل، ومزعج، بل ومخل بصفاء القلب والمشاهدة. من يحرر شعر قلبه في طريقه المديد إلى النور، يصفّي ذاته ويصقلها وقد يرتقي إلى المعرفة. ولكن من ينقش الشعر في جدران السلاطين لا يبحث إلا عن سمعة عابرة إما له أو لمولاه أو للإثنين معاً.

- أنت لم تتجرأ أبدا على مخاطرة الحياة من أجل الشعر أو الطرب أو التصوير…

- صحّ، لكل مرئ ضعفه. لا أرى نفسي قادراً على مواجهة هذا التحدي، ولكني تجنبت دوماً منح أفكاري أو كلامي للطغيان أو لخداع المساكين.

- مولانا لا يحب الخداع ولا يقصده. إنه يريد تكريم الإسلام وإرشاد المسلمين.

خيم الليل على الإقليم وقفل القونجي مع رفيقه إلى البيت صامتين تحت مهرجان النجوم المتلألئة في القبة السماوية. في سريره القديم عاود الإرهاق زاهدنا بشدة وانغمس في غيبوبة لم يصح منها اليوم التالي.استحال فقيرنا العائد خيالاً. حشد رؤيا ما بعد الزمن والمكان. اغتيال مولانا أبي الحجاج يوسف خلال الصلاة على أيدي من يوصف بأنه مجنون. عمليات تشييد مكثفة في السبيكة شارك فيها خليفة أبي الحجاج، السلطان محمد الغني بالله نفسه. موجة ارتفاع مباني المشور والرياض السعيد والدشار والبوابات والبروج. أطياف انهيار الدشار والأبواب والبروج. أشباح الجماهير في القصور. شروق نجمة ذي الوزراتين ابن زمرك، تلميذ ابن الخطيب وملاحقه. إعلان الغني بالله مطاردة الصوفية وإقلاعهم من الأندلس. محاكمة ذي الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب غيابياً بتهمة تبنيه فكرة الحلول في كتابه “روضة التعريف بالحب الشريف”. اطلاع خيال القونجي في برزخه على جلّ الكتاب في ومضة عين. انشداد ابن جعفر برؤية ذي الوزارتين لسان الدين مورط في كل مهمة سياسية ودبلوماسية وحربية، في كل كبيرة وصغيرة من شؤون الدولة، ويدوّن في الوقت عينه مجلداً ضخما في العرفان. كتاب حيّر خيال القونجي لتنوعه وعدم عمقه الوجودي. تواجد العلامة ابن خلدون الوقور بجوار صديقه ابن الخطيب في قصر الحمراء أثناء تحرير “روضة التعريف”. عودة الابتسامة المنيرة المعهودة لمحيا فقيرنا الغرناطي الشآمي حيال شبح لسان الدين مهرولا وراء الأموال ومأخوذا بتشييد قصور خاصة به. ابتسامة تهكم ورأفة ومودة من يرى ذاته في برزخ ما وراء السخيف والجزئي. اندلاع نار الاستعجاب في قلب القونجي هيّجتها سموم طبيعة الإنسان الوحشية العمياء التي تسربت إلى سريره لدى مشاهدة استحالة ذي الوزارتين إلى ذي الموتين عقب إبادة ابن الخطيب في ملجإه المغربي، ونبش جثته من القبر بعدئذ على أيدي وفد الغني بالله لتنفيذ الحكم بالإعدام عليها. اشمئزاز خيال زاهدنا القونجي من المنظر وانصرافه السعيد إلى جنة العالم العلوي.

في العصر، رجع المهندس رضوان إلى غرناطة لأداء واجباته الزخرفية، بينما تأخر أبو البركات البلفيقي بضعة أيام في العودة إلى بلاط الحمراء، مع كتب القونجي والأوراق التي لم تفارق زاهدنا أبدا منذ أن بدأ خطها في بستانه الشآمي. سلم أبو البركات حفنة من الصفحات للسان الدين مع سبعة أبيات نظمها احتفاءً برفيقه القونجي عند لقياهما الأول بميناء المرية عشية الاغتراب :

أشكـو  إليك بقلب لست أملـكـه                     مالـم يرد من سبيل فهو يسلـكه

لـه تعـاقب أهـواء فيقـلـقـه                          هـذا ويأخـذه هـذا ويتـركـه

طـوراً  يؤمّنه طـورا يخـوّفـه                      طـوراً  يقّنـه طـوراً يشّـكـه

حـينـاً يوحّـشـه حيناً يؤنسُـه                        حينـاً يسكّـنـه حينـاً يحرّكـه

عسى الـذي يمسك السبع  الطباق                  على يديك يا مُطلع الأنوار يمسكه

فيه سقـام من الدنيـا وزخرفهـا                     مهمـا  أبيّضه بالذكـر تشركـه

عسى الذي شانه الستر الجميل كما                غطّى  عليه زمـاناً ليس يهتكـه

)أوردها ابن الخطيب في الإحاطة، 3، ص 236(

ثم بادر ذو الموتين بمراجعة الدفتر والاستلهام منه لتأليف “روضته”، وكرّم القونجي بذكر أخباره وعنوان ما فاض من يده ومن قلبه: “الأنوار في المخاطبات والأسرار”.

 

خوسيه ميغيل بويرتا، ، منشورة في كتاب “الحمراء ذاكرة الأندلس”، تقديم عثمان الرواف،  ترجمة عبدالواحد أكمير ،منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، غرناطةو، 2015