جاءت رواية “ثلاثية غرناطة” بعد رؤيا الكاتبة في منامها “لامرأة ”.  فقبل نومها شاهدت عبر التلفزيون قصف الطائرات الأمريكية لبغداد، تقول: “استبد بي الخوف فهل هو الموت الوشيك؟ تجعل الكاتبة من الرؤيا المذكورة، رؤيا لشخصية رئيسية، في مستهل الرواية.

وتخط رواية “ثلاثية غرناطة” ولادة  من حلم لم يسبقه عزم بالكتابة عن غرناطة؛ وهو ما صرحت به الكاتبة في محاضرة لها بمناسبة ترجمة الرواية إلى اللغة الإسبانية. وكأن رؤيا الكاتبة تحققت في نقلها أحدث الرواية للخائفين من الواقع.

تضيف: ” ولعل الانفعال الكامن وراء النص والمحرك لكتابته يجد أبلغ تعبير عنه، في تلك الأبيات من “أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي”:

أنهض من حلمي

خائفا من غموض النهار على مرمر، الدار، من

عتمة الشمس في الورد، من ماء نافورتي

خائفا من حليب على شفة التين، من لغتي

خائفا، من هدوء يمشط صفصافة خائفا، خائفا

من وضوح الزمان الكثيف، ومن حاضر لم يعد

حاضرا، خائفا من مروري على عالم لم يعد

عالمي، أيها اليأس كن رحمة، أيها الموت كن

نعمة للغريب الذي يبصر الغيب أوضح من

واقع لم يعد واقعا…

تتكون رواية “ثلاثية غرناطة”، من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول “غرناطة”، والجزء الثاني “مريمة”، ثم الجزء الأخير “رحيل”.

تحمل صورة الغلاف رسم أنثى، وراء ظهرها يتمثل ماضي غرناطة الزاهر ببساتينه المخضرة، كأنها فردوس، في وجهها ألوان مختلفة تدل على كثير من الألم؛  رغم لون قصر الحمراء الذي يبدو في عينيها إلا أن اللون الأصفر المضيء في وجهها ليس عاديا فيبدو كأنها أمام حريق متقد؛ ونيران مشتعلة.

رواية “ثلاثية غرناطة” من عمق التاريخ تعيد تشكيل تاريخ مهمش، تنسج أحداث التاريخ بالخيال، فيصبح واقعا ملموسا، فالإطار له تاريخ موثق؛ كذلك الأحداث المفصلية الواقعة عام 1421 – 1609، توقيع معاهدة  تسليم مملكة غرناطة، وحرق الكتب وثورتا البيازيين الأولى والثانية، والتشتت الجماعي لأهالي غرناطة ثم الترحيل النهائي، لعرب الأندلس ” .

خطت الكاتبة “رضوى عاشور” حكاية الموريسكيين ” تقول: “لم يكن شاغلي الكبراء أو الأمراء والبارز من الشخصيات التي سجل التاريخ حكايتها بل شغلني “العاديون” من البشر”.

فكيف جعلت الكاتبة “رضوى عاشور في روايتها المذكورة ” التاريخ المهمش” يطفوا إلى الأعلى؟ انطلاقا من إعادة الحياة لتاريخ الموريسكيين؛ وإبراز معاناتهم؟ وأعادت – ولو بين دفتي كتاب- روح أحداث تاريخية ولى عليها الدهر وتناساها التاريخ السياسي؟.

اتخذت الكاتبة لنسج أحداث روايتها، شخصيات من الخيال وأخرى بصمها التاريخ، فجعلت أسرة غرناطية على رأسها أبو جعفر الوراق، من الشخصيات الرئيسية الخيالية، تتداخل في شبكات عائلية تتخللها الأحداث بأفراحها وأحزانها؛ يفرقها الموت وتجمعهم زيجات، وحب، وغرناطة ( أبو جعفر- وزوجته أم جعفر- كنتها زينب أم حسن – والحفيدين حسن سليمة – ومساعدا أبو جعفر سعد المالقي الذي تزوج سليمة أم عائشة ونعيم، وحسن وزوجته مريمة، التي أنجبت إلى جانب ابنهما هشام أبو علي، أربع بنات)؛ أجيال تتالت على جرحك يا غرناطة !!.

تتداخل مع شخصيات من الخيال أو من واقع التاريخ، قشتالية أو غرناطية، في شبكة علائقية تبني من خلالها الروائية، تاريخا ملموسا.

بأسلوب أدبي ينم عن خبرة إبداعية، تذكر الكاتبة أماكن في الحمراء، وصف معماري دقيق يظهر جمال وإتقان، حرفي ومهندسي الأندلس: “مسجد البيازيين والحمامات، والحوانيت والأزقة الملتوية، والأسوار والأبراج، بساتينها وزياتنها وخيراتها، ودروبها، دروب الفخاريين والوراقين والزجاجيين والنحاسين والصياغين[…] القيصرية بمبيعاتها من أقطان وأصواف […] وحرير[…] وحناء”.

وبعد حدث سقوط غرناطة على يد الملكين الكاثولكين فرديناند وإيزابيلا؛  أسماء جديدة تحل بغرناطة:

كريستوبال كولون، والأسقف تالافيرا، والقس ميجيل، والكونت تانديا فرانسيسكو خيمينث دى سيسنيرو وشخصيات عديدة توقظ التاريخ؛ بل وتبدل الأماكن غير الأماكن (فمن مسجد البيازيين إلى كنيسة سان سلفادور، وساحة المسجد إلى ساحة الكنيسة. وتخلق أماكن جديدة: ديوان التحقيق المدرسة الإرسالية، ودير الراهبات، والسجن).

“غرناطة”

تنقل الكاتبة في هذا الجزء حال وواقع الشعور بالصدمة التي أصيب بها المجتمع الغرناطي باختلاف فئاته العمرية، حيث اختلف أثر الحدث من الكبار إلى الصغار.

سكون غرناطة دمرته عاصفة إسقاطها بعد افتضاح أمر المعاهدة السرية، بين أبي عبد الله محمد الصغير والملكين الكاثوليكيين، والصليب الذي يلمس بريقه قلوب الغرناطيين يفتتها. وتبدأ الهجرات الجماعية: “كل شيء يباع ويشترى” في غرناطة ويعلن التاريخ مرحلة انتقالية، بحركة قوية.

يُعلٍّم أبو جعفر حفيدته سليمة اللغة العربية: “اللغة القشتالية قادمة لا محال والعربية لم تعد بضاعة رابحة”. ماذا وقع؟ !؛ نعم بعد سقوط غرناطة سيتغير الثابث والمتغير. وتدور عجلة التاريخ بشكل سريع.
وصل “فرانسيسكو خمينيث دى سيسنيرو” الكاردينال أسقف طليطلة لتمسيح الأهالي، يُمسح أمام الملأ أبو علي المالقي حامد الثغري، ويصبح اسمه “جونزاليز فرنانديز زغرى”.

تنتشر أسراب المبشرين في البيازين، يبدأ تهجير الكتب إلى الكهوف، والجبال والأطلال والمنازل المهجورة وسراديب البيوت، من طرف السكان، خوفا عليها ما السبب؟.

عند باب الرملة سيحرق المبشرين بأمر من الملك كل كتب اللغة العربية؛ بأسلوب أدبي ملفت أبدعت الكاتبة في إحياء حدث إحراق الكتب، صورة تتقد معها المشاعر وتشتعل نارها. يُطرح سؤال بديهي “لماذا كل هذه القسوة؟” يموت أبو جعفر لما رآه: “سأموت عاريا ووحيدا لأن الله ليس له وجود” .

تقوم الثورة الأولى في البيازين، بعدما انتقل القشتاليون لانتهاك حقوق النساء في غرناطة وتُشكل حكومة الأربعين، تتفق مع الكونت تانديا لإخماد الغضب.

تتسلل الأحداث اليومية في الرواية، صور حب أبدعت الكاتبة فيها، من الفرح، والبهجة أحينا بالزيجات والحفلات وزواج سليمة وسعد.

يعلن قرار التعميد، ما السبب وراء منع العادات والتقاليد؟ وعدم تقبل ثقافة الأخر باستخدام اسم الرب؟ لتنفيذ طموحات شخصية، وإشباع رغبات وانفعالات.

أصدر الملكان الكاثوليكيان أمرهما بالتنصير القسري لكافة الأهالي؛ ونُشر مرسومه بين الناس. كان على أهل غرناطة والبيازين الاختيار بين التنصير والترحيل: “الله أعلم ما في القلوب” شعار الباقين الذين رفضوا الرحيل؛ تُبرز ذلك الكاتبة في شخوص رئيسية، أبو جعفر و”مريمة”؛ رفضهما الرحيل واستغرابهما من ذلك.

لكن الواقع غير الفعل الإسلامي: “طهور الصبية، عقد قرانهم على الشرع الواضح على إيقاع الدفوف والأهازيج، استطلاع هلال رمضان والعيدين، والإنشاد في ليلة القدر، والصلاة والصيام، والاحتفاء بخميس الله وجمعته، تكفين الميت وتشييع جنازته بآيات من الذكر الحكيم، وخضاب الحناء على أكف الصبايا ورؤوس النساء، كلها تهمٌ وباب السجن مفتوح للخطاة وأكوام الحطب مكومة تنتظر شعلة وتلتهب ” .

التنصير ليس فقط قولا وإنما فعلا، منع كل التقاليد وعادات المسلمين، حتى طريقة لباسهم العربية، على النساء التخلص من غطاء الرأس، حياكة الملابس العربية محظورة، ومنع بيع المتنصر حديثا ممتلكاته لشخص عربي مثله. كانت أم جعفر تعالج المشاكل في حياتهم اليومية بالبخور، تطرد الشؤم وتزيل العين…وتستمر الأيام؛( لكن سقوط غرناطة ألم يكن عينا، وكم سيكفي هذا الشؤم من البخور.. أم هو  أعين ؟) أهكذا تسلب الثقافات !! ؟.

يحصل أهل غرناطة من فقهاء المغرب على فتوى تهون عليهم شدة وقعهم: […وإن قالوا اشتموا محمدا، فإنهم يقولون ممدا، فاشتموا ممدا ناوين أنه الشيطان ..]. طقوس الخروج عن الدين المسيحي وعدم التنصير والامتثال معاناة وموت وصلب؛ أوإعلان توبة بعد محرقة في ديوان التحقيق، ولباس “السانبينبو” العباءة الصفراء، للذي لم تثبت خطاياه ويمنع العمل.

المدرسة الرسمية مصير الأطفال وتعليم القشتالية هناك والعربية سرا في البيت. وتبدل الأسماء غير الأسماء سليمة: جلوربا ألفاريز/ أم حسن: ماريا بلانكا/ سعد :كارلوس مانويل/ عائشة ابنة سليمة: اسبيرانزا…
ومصير حفيدة الوراق أبو جعفر حرق بتهمة الكفر، كأنها كتاب بين دفتين”؛ أهكذا تسلب اللغات؟ ويكون تمزيق الهوية؟.

“مريمة”

ومات سعد هو الآخر مثل أبو جعفر؛ كمدا بعد أن شاهد سليمة تحترق أمامه. وكم سعد لم تتسع رواية الكاتبة لذكر معانته. ويصعب وأحيانا كما يستحيل فهم الواقع وتظهر أمراض نفسية في المجتمعات؛ صورتها الكاتبة في روايتها بجنون نعيم بعد عودته من رحلته والقس “ميجيل” في العالم الجديد، ودفنه زوجته “أنَا” هناك حتى أنه آبى أن يدفن حسن بعد موته.

شبح العنصرية في عبارة “المورسكي القذر” أو الشتم “العربي الكلب”؛ يلاحق الأهالي وتنقلب الموازين في غرناطة فيصير علياء القوم، إلى خدام النبلاء والإقطاعيين في أراضيهم.

يتمسكون بإرث إمانهم …”لا غالب إلا الله” …”إن الله يمهل ولا يهمل”…”وتدور دائرة الزمن”… تغيرت اللغات والعادات؛ فربما دارت عجلت التاريخ عند وصولها لغرناطة بشكل أسرع جعلها تدوس بدون رحمة فوق البشر، فتدعسهم وتخرجهم جنونا …دما …قطاع طرق.

تذهب اللغة العربية من غرناطة بذهاب السنين…[كما أن الكتب لم تعد تنفع] ولكن مرسوم مولاي “فرانسيسكو نونييز” كان منطقيا، مما ورد فيه” قال:” إن الملابس التي ترتديها نساء العرب ملابس شعبية شاعت بينهن ليس لأنهن مسلمات، بل لأنها محلية ترتبط بالأرياف والمناطق التي يعشن فيها….قال أيضا كيف نحرم الأهالي من اللغة التي ولدوا وتربو عليها”؛ وتبخر المرسوم في السماء؛ مما أدى إلى قيام ثورة البشرات الثانية. تعود بقليل من الأمل بصوت خافت…وكأن عجلة التاريخ، بهذه الثورات تمنح أهل غرناطة وقتا للإستعاب قبل أن تدوس.

ويصدر قرار الترحيل…ترحيل أم اقتلاع من الجذور، كان آخر مراحله السفر خارج غرناطة؟.

“الرحيل”

رحل علي آخر سلالة “أبو جعفر، الوراق” إلى بَالنسية ومنها ليستقر في قرية الجعفرية، قرية شرق الأندلس اشتغل سرا في تعليم الأطفال اللغة العربية، ويقذف التاريخ بعد اختناق الأهالي من الظلم بثورة البشرات الثانية كما سلف الذكر، ويبتهجون لكل نصر يحققه الثوار.

يزور علي وكأنها غرناطة، في شخصه بلاد مصر تسأل نفسها ترى هل أنا لست قادرة على حماية أهلي؟
يجد علي “الأتراك وأيضا المماليك يجورون على الأهالي ويبطشون بهم؛ ويثقلون عليهم بالضرائب والمكوس “مسلمون يستبدون بمسلمين !!! “. هوني عليك يا غرناطة.

وبعدها ذهب علي إلى مكة حيث “تسبقك روحك إلى البيت العتيق”، وكأن غرناطة تريد استراحة وبعدا روحيا عن أحداث التاريخ المسرعة، ومنه إلى القدس لمعرفة كيف طُرد الصليبيون ؟ وهل كفة التاريخ مالت نحوها؟. ولا بأس عليك يا غرناطة فلم تدوم الأمور على حالها.

استولى الروم على بلنسية عام 1236 تدخل العاصمة فلا ترى فيها أثرا وكأن الأجداد لم يسكنوها أو يعمروها. وفي الأرغون وأنت شاهدة يا غرناطة، ترى أبناء العرب فلا تعرف لهم ملة ولا دين، يتحدثون بلغة الروم ويلبسون مثلهم؛ والتاريخ يشهد. ويعلنُ قرار الترحيل النهائي سنة 1609″…نعود إلى أهلنا لنعش بينهم معززين مكرمين لا تلتقي بمن يسبك قائلا: “عربي كلب” أو “مسلم جبان”، إن الرحيل نهاية لغربتنا “.
وتنتفض غرناطة لأهلها….وتقذفهم مرحلين إلى الميناء نحو البحر لتعود إلى تربتها في شخص علي قائلا “لا وحشة في قبرك يا مريمة”.

هكذا التاريخ يمر وتذوب غرناطة كذرة ملح في ترابها، ينتشر أهلها …ينقلون معهم ثقافاتهم فنونهم …طبخهم …وحرفهم …وطريقة لباسهم …وتراثهم الطبي…وجينات جمالهم … وتمزج الأعراق، فلا نقاء ولا صفاء، وتهجن الثقافات،…وتتشكل الهويات بتعقيد متناه…يصعب تحديد مفهومه…ولكن أهو سراب؟ أهو وهم وليس حقيقة؟.

نزهة الأنصاري