وبالإضافة إلى الجانب الاجتماعي وما تم فيه من اندماج وانصهار، يبدو الجانب المذهبي لافتا للانتباه • ويظهر في وجود فرق ومذاهب على مستوى العقيدة أو السياسة أو الفقه، على نحو ما كتب ابن حزم في (الفصل في الملل والأهواء والنحل) وهي ظاهرة لم تتعارض مع الحضور الرسمي الكبير الذي كان لمذهب مالك، بعد أن كان طاغياً مذهب الأوزاعي إمام أهل الشام، بحكم أموية الأندلس في نشأة الدولة الإسلامية بها؛ علماً بأن مذاهب أخرى كانت تجد صدى، وأهمها المذهب الشافعي والظاهري . ثم إن الأندلسيين ـ في نطاق مالكيتهم ـ كانت لهم اجتهادات قام بها أتباع مالك وتلاميذه، أمثال يحيى بن يحيى الليثي وابن القاسم •

وقد بلغ الاختلاف المذهبي حداً اتهم البعض به في عقيدته كابن الإفليلي الذي كان ذا اهتمام كبير بالفلسفة، ومحمد بن مسرة الذي كان ذا نزعة اعتزالية، والذي اشتهرت في قرطبة مدرسته الفلسفية الدينية بين القرنين الثالث والرابع الهجريين زمن الحكم المستنصر، والتي اقتبست من المبادئ الغنوصية والأفكار الأفلوطينية، ومزجتها بآراء المعتزلة والباطنية.

ومع ذلك، فإنهم لم يتعرضوا لمكروه، طالما أنهم لم تظهر عليهم أطماع سياسية، على نحو ما حدث لأبى الخير الذي قتل بسبب تآمره على الحكم الثاني، وكان معروفاً عنه أنه منتم للتشيع.

وقد كان لهذا التسامح أثره في التصوف كذلك، إذ تميز في الأندلس بسمات جعلت بعض ملتزمي التصوف السني ينتقدونه • ويذكر من بين الذين ظهروا باتجاه جديد في هذا المجال أبو العباس ابن العريف الصنهاجي، وأبو بكر الميورقي، وابن برّجان، وابن قسي في منتصف القرن السادس الهجري، قبل أن يذكر محي الدين ابن عربي في أوائل القرن السابع• وكان ابن العريف قد ظهر في المرية بمذهب صوفي يعتمد الزهد في كل شيء، بما في ذلك القول بالكرامات وما إليها من منن لا تكون إلا للعوام وليس للخواص ؛ في حين عرف ابن عربي المرسي بتصوفه وفلسفتة الإشراقية القائلة بوحدة الوجود التي تعني في تأثر بنظرية الفيض الأفلوطينية، أن العالم ليس شيئا غير الذات الإلهية، وأن الله هو عين الموجودات، ممّا دعاه إلى القول بوحدة الأديان التي هي الصورة التطبيقية لنظرية وحدة الوجود • وتنطلق هذه الفلسلفة من الشك في قدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق المطلقة .

وقد بلغ هذا التسامح مداه في ظهور شعر المعارضة للدولة، وفق ما نجد عند أبي الحسن ابن الجد، وعبد الجبار صاحب الارجوزة، وابن سارة، وأبي بكر ابن الروح الإشبيلي، وأبي بكر اليكي.

من ذلك قول عبد الجبار عن أمراء الطوائف :

فأهــمـلــوا البـــلاد والـعــبـادا وعطـلـوا الثـغـور والجهـادا
واشتــغلـــت أذهانهـم بالخـمـر وبالأغـــاني وسـماع الـزمــر
وزادهــم في الجهـل والـخـذلان أن ظاهـروا عـصـابـة الصلــبـان
فاستـولـت الــروم علـى البـلاد واسـتعبـدوا حــرائــر العـبــاد

د. عباس الجراري، ندوة الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح. منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات. الرباط، 2003