من المعلوم أن البحث في أصول الموشحات قد أسال كثيرا من الحبر في مؤلفات الباحثين ومقالات المهتمين بهذا الفن الأدبي المنسوب إلى الأندلسيين. وكان التركيز عند الباحثين العرب على أصل الموشح: هل هو مشرقي أم أندلسي مغربي؟. وقد أفاضوا في هذا الموضوع، سواء كان هؤلاء مشارقة أم مغاربة.

        هناك آراء تسير في اتجاه آخر وتطرح التساؤل الآتي: هل أصول الموشحات أندلسية مغربية أم هي إسبانية؟

وترجع هذه التساؤلات، وما تبعها من نقاش، إلى عهد غير قريب، وبالضبط إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حين أشار اليسوعي الإسباني Juan Andrés إلى أثر الثقافة الأندلسية العربية الإسلامية في الثقافة الأوروبية. وكانت الضريبة الأولى التي أداها هذا المستشرق عن هذا الرأي هي فصله من الجماعة اليسوعية والحكم عليه بالطرد والتغريب عن وطنه سنة 1767.

وأتاح له هذا النفي بإيطاليا أن يعكف على تأليف كتابه الموسوم ب ̎ أصول الأدب عامة وتطوراته وحالته الراهنة̎  وصدر له في سبعة أجزاء في ̎ بالرم̎  ما بين سنتي(1782-1798) ثم ترجم إلى اللغة الإسبانية سنة 1806.

وخلاصة هذا الكتاب أن الشعر الإسباني إنما نشأ، أول أمره، تقليدا لشعر العرب، ثم انتقل هذا التقليد إلى إقليم (بروفنسا) عن طريق الرحلات المتبادلة بين الفرنسيين والإسبان – نصارى ومسلمين – وإن الشعر البروفنسي إنما ينتسب إلى العرب أكثر مما ينتسب إلى اليونان واللاتينيين – لأنه لم يكن لدى البروفنسيين علم بهذين الأدبين في حين أن شعر العرب كان أقرب موردا إليهم…

وبقيت آراء هذا العالم اليسوعي شبه مبهمة عند أبناء جنسه، لأن أكثر آثار الأندلسيين لم يكن منشورا، آنئذ. وكتابه كان حصيلة سنوات انكبابه على دراسة مخطوطات الإسكوريال العربية والمخطوطات اللاتينية المترجمة عن أصول عربية.

وقد استطاع خ. أندريس أن يلزم الأوروبيين نظريته هذه، ويلقي بها دونما خوف من استبداد الكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش على عهده. بينما كان كثير من الأوروبيين يعتبرون آراءه ضربا من التخريف والوهم في ذلك العهد، كما كانت مثار ردود المستشرقين وحافزا لهم على البحث والتنقيب لدحض نظريته أساسا عند الكثير، بينما كانت فئة قليلة من الباحثين الأوروبيين يقومون بالاستقصاء من أجل البحث العلمي النزيه.

وفي سنة 1865 ظهر كتاب للمستشرق الألماني “فريد ريتش فون شاك” Friedrich Von Schak (1815 – 1894) بعنوان ̎ شعر العرب وفنهم في إسبانيا وصقلية (في ثلاثة أجزاء)، وقام الكاتب الروائي الإسباني Juan Valera (1827- 1925) بترجمته إلى اللغة الإسبانية وجاء هذا الكتاب بمثابة تأييد لنظرية خ. أندريس التي تؤكد التأثير العربي الإسلامي في الآداب والفنون الأوربية. كما ظهرت في القرن الماضي، أيضا، بحوث وكتابات المستشرق الهولندي ر. دوزي (1820 – 1884)، إلا أن أغلب ما كتبه يبتعد عن آراء خ. أندريس أو يعاكسها. وربما كان المستشرق الألماني م. هارتمان M. Hartman  أول من قام بدراسة وافية عن الموشحات الأندلسية في كتابه ̎ الموشح̎. وقد سجل فيه استقصاء تسجيليا ووصفيا للموروثات المشرقية في الموشحات الأندلسية. وظل هذا الكتاب بمثابة مصدر للموشحات لدى المستشرقين متنا ودراسة، كما كان بداية وأرضية للبحث الجريء في حقل هذا الفن الأدبي لما يتضمنه من نصوص وآراء جمعها المستشرق من مصادر مخطوطة لم تكن معروفة – في أغلبها – لدى المهتمين بالتراث العربي الإسلامي في الأندلس.

وتتخلض آراء الباحث في الموشحات بأنها ليست إلا إحياء لفن التسميط الذي يعود إلى العصر الجاهلي.

ولم يمض وقت طويل على ظهور كتاب ̎ هارتمان̎  حتى ظهر رأي مفاجئ في حقل الدراسات الاستشراقية، ويتعلق الأمر بما صرح به المستعرب الإسباني خ. ريبيرا في خطاب ألقاه في المجمع العلمي الإسباني بمناسبة استقباله عضوا جديدا في هذه الهيئة سنة 1912. وملخص أطروحته الموشحات الأندلسية، استمدت عناصرها الأساسية من الشعر الغنائي الإسباني (الأغاني الرومانثية)، معتمدا في ذلك على قراءته بعض الموشحات الأندلسية، خاصة تلك التي وردت في خرجاتها تعابير وألفاظ أعجمية، ثم قراءته فقرة في ذخيرة ابن بسام قوله: ̎ وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا، واخترع طريقتنا – فيما بلغني – محمد بن محمود القبري الضرير. وكان يصنعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان.

وفسر خ. ريبيرا لفظة ̎ المركز̎  – في قول ابن بسام – المرتكز الأساسي أو المحور الذي تبنى عليه الموشحة. في حين يعني ابن بسام بذلك الخرجة أو القفل الأخير من الموشحة. كما ذهب إلى أن الموشح الأندلسي كان نتيجة الامتزاج اللغوي والجنسي؛ ولهذا التمازج تأثير مباشر في ظهور هذا الفن الجديد الذي اقتبس عناصره الأساسية من الأغاني الرومانثية التي كانت سائدة أواخر القرن 3هـ/9م. كما دعم رأيه في هذه الأطروحة، بأن الموشح انحدر من أصول إسبانية رومانثية لوجود مقاطع من الأغاني الشعبية في بعض الخرجات، تلك التي جاءت بفضل الحاضنات والمربيات والجواري والرقيق الإسباني الوافد من الشمال، فاستخدمها المستعربون والعرب في الأندلس، ودخلت البيوت ومحافل القضاة والأمراء في الأعياد والمناسبات وحفلات الزواج والختان، فأعجب الأندلسيون بها وازداد افتتانهم وتأثرهم بجمالها وروعتها، ثم أخذها الوشاحون والشعراء لينظموا على غرارهم.

وكانت لآراء ̎ خ. ريبيرا̎  هذه أصداء واسعة عند المستشرقين المهتمين بموضوع الموشحات، كما كانت حافزا على الاستمرار في البحث والتنقيب، سواء لدى الذين أيدوا نظريته أو عند الذين خالفوها.

البحث في التراث الغرناطي حصيلة وآفاق (ندوة) إعداد: مصطفى الغديري، تنظيم كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، بتعاون مع مركز دراسات الأبحاث الغرناطية؛ الطبعة الأولى: 1998